هل تعارض الكنيسة الكاثوليكيّة نظريّة التطوّر؟

هياكل عظميّة تعود إلى بشر وديناصورات هياكل عظميّة تعود إلى بشر وديناصورات | Provided by: Max Mishin via Pexels

فاز العالم السويدي سفانتي بابو بجائزة نوبل في الطبّ مؤخّرًا، نتيجةً لما توصّل إليه في حقل التطوّر البشري. وقد أثار هذا الإعلان انقسامًا حادًّا في العالم العربي بين مؤيّد لنتائج بابو المرتبطة بنظريّة التطوّر الداروينيّة وبين شريحة أخرى من الناس معارضة لها. فما هي هذه النظريّة؟ وما موقف الكنيسة الكاثوليكيّة منها؟

يمكن تعريف نظريّة التطوّر التي صاغها العالم الإنكليزي تشارلز داروين بأنّها العمليّة التي تتغيّر فيها الأحياء بمرور الوقت بسبب تغيّر يطال سماتها الجسديّة والسلوكيّة الموروثة، إذ تسمح تلك التغيّرات للأحياء بأن تتكيّف مع بيئتها، ما يساعد على نجاتها.

لم يكن داروين الأوّل أو الوحيد الذي تحدّث عن نظريّة التطوّر، لكن نظريّته كانت الأشهر لأنّه أعطاها شكلًا جديدًا من خلال تفسير «أصل الأنواع» -اسم الكتاب الذي نشر فيه نظريّته في العام 1859- لأنّها تضمّنت افتراضات منطقيّة أكثر من سواها وشكّلت علم التطوّر الحالي. ومع الزمن، أصبحت هذه النظريّة مدعومة بتشكيلة واسعة من الأدلّة في علم المتحجّرات، والجيولوجيا، وعلم الوراثة، وعلم الأحياء التنموي.

بقي موقف الكنيسة الكاثوليكيّة من هذه النظرية متحفّظًا على مدار قرن كامل. على الرغم من ذلك، وُجِدَ في هذه الفترة بعض الكهنة الكاثوليك «العلماء» ممَّن قبِلَ بها وحاول توفيقها مع تعاليم الكنيسة، منهم الأب جورج ميفارت في كتابه «نشأة الأنواع»، والأب بيير تيلار دي شاردان اليسوعي. ومع الوصول إلى منتصف القرن العشرين، سمح البابا بيوس الثاني عشر بمناقشة نظريّة التطوّر. وقد سار في ذلك الاتّجاه وبخطواتٍ أكبر البابا يوحنا بولس الثاني الذي قال: «المعرفة الجديدة تقودنا إلى الاعتراف بنظريّة التطوّر على أنّها أكثر من مجرّد فرضيّة». كما دعا رجال الدين المسيحيين، ولا سيّما منهم العاملون على تفسير الكتاب المقدّس، إلى ضرورة الاطّلاع على آخر نتائج الأبحاث العلميّة.

وفي العام 2008، صرّح المونسنيور جيان فرانكو رافاسي، رئيس المجلس الباباوي للثقافة آنذاك، بأنّ نظريّة التطوّر لا تتعارض مع تعاليم الكنيسة الكاثوليكيّة ولا مع رسالة الإنجيل واللاهوت.

من جهته، قال البابا فرنسيس في خطاب يعود إلى العام 2014 ألقاه في الأكاديميّة الباباويّة للعلوم: «عندما نقرأ عن الخلق في سفر التكوين، نخاطر بتخيُّل أنّ الله كان ساحرًا يمتلك عصا سحريّة قادرة على فعل كلّ شيء... الله ليس ساحرًا بل هو الخالق الذي أحيا كلّ شيء... التطوّر في الطبيعة لا يتعارض مع فكرة الخلق لأنّه يتطلّب خلق كائنات تتطوّر».

وقد شرح الأب سامي حلاق اليسوعي، الباحث في لاهوت البيئة، نظرة الكنيسة المعاصرة من تلك القضيّة فقال: «لعلّ أهمّ درس روحي استخلصته الكنيسة من داروين هو مسألة الاصطفاء الطبيعي. فالنموّ مسارٌ إجباري. إنّه مسار مرصوف بالصعوبات التي لا بُدَّ منها لأنّ الصعوبات شرط للنمو الحقيقي. الطفل الذي لا يواجه صعوبة التوازن بالمشي على قدمَيْن لن ينمو؛ الطالب الذي لا يُواجه صعوبات الدرس والامتحان لن ينمو؛ المراهق الذي لا يواجه أزمة المراهقة لن ينمو. وهذه الصعوبات تتطلّب تغييرًا في السلوك وفي طريقة الحضور في العالم. الطبيعة تنمو، يعني تتغيّر. وكلّ كائن حيّ لا يتكيّف مع الظروف الجديدة ينقرض».

تابع: «يا له من درسٍ في الإيمان. كلّ إيمانٍ، كلّ ديانةٍ لا تميّز الجوهري لديها عن الثانوي، وترفض أيّ تكيّف مع معطيات العالم الحديث، مصيرها الانقراض. كلّ عداءٍ لما تكتشفه العلوم، وإصرار على صحّة تفاصيل ما قاله الدين قبل مئات السنين هو مسار عدم نموّ، يخالف ما يريده الله، ومصيره الانقراض».

وخَلُصَ الأب حلاق إلى أنّ «الكنيسة، بفضل داروين وأمثاله، فهمت أنّ غاية قصص الكتب المقدّسة ليست أن تعطينا معلوماتٍ جغرافيّة أو بيولوجيّة، بل أن تُبيّن بطريقةٍ يفهمها إنسانُ زمانِ سردها من هو الله وما هي حكمته. بفضل داروين، أدركنا أنّ الإيمان مسيرة نموّ، والملاحم التي أتحفت أجدادنا تحتاج إلى مراجعة في ضوء كلّ ما يكتشفه العقل البشري. فالله لم يخلق لنا العقل ليكون آلةً للحفظ عن ظهر قلب، بل أداة تفكير قادرة على الاكتشاف وسبر غور الحقيقة».

مهمّتنا هي الحقيقة. انضمّ إلينا!

تبرّعك الشهري سيساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة، بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته