فقراء الروح... مستحقّو ملكوت السماء

مغارة فقيرة تكشف سرّ الطفل الإلهيّ مغارة فقيرة تكشف سرّ الطفل الإلهيّ | مصدر الصورة: ويكيميديا كومونز

في قلب العالم المليء بالمادّيّات والمظاهر، يدعونا الله إلى تعلّم سرّ الفقر: لا الفقر الذي يُهين الإنسان، بل الفقر الذي يُحرّره، الفقر الذي يضمّه إلى «المساكين بالروح» مستحقّي الـ«طوبى» لأَنَّ «لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ» (مت 5: 3).

يعرف هؤلاء أنّ كلّ ما لديهم هو عطيّة من الله ونعمة منه. لا يملكون الله، بل يسمحون له أن يَملُكهم. لا يتمسّكون بالأشياء ولا يتعلّقونَ بها، لأنّهم عرفوا أنّ مصدر الامتلاء الحقيقيّ ليس الامتلاء، بل الثقة، كما فسَّرَ المطران بشّار متّي وردة، راعي إيبارشيّة أربيل الكلدانيّة، في حديثه عبر «آسي مينا».

المطران بشّار متّي وردة. مصدر الصورة: صفحة إيبارشيّة أربيل الكلدانيّة في فيسبوك
المطران بشّار متّي وردة. مصدر الصورة: صفحة إيبارشيّة أربيل الكلدانيّة في فيسبوك

يُعلِّمنا الإنجيل أنّ البشرى السارّة بدأت من الفقر، فالله نفسه اختار مغارةً فقيرة ليولد فيها، على قشٍّ في مذوَد، لا في قصرٍ ولا على عرشٍ مزيَّنٍ بالذهب. «هناك كشفت السماء سرّها: الله يُولد في الأماكن التي تخلّت عن الزينة والبهرجة، ليُعلِّمنا أن نقبل فقرنا، فنكتشف حينئذٍ أنّنا لسنا بحاجة إلى كثيرٍ لنسعد ونفرَح، بل إلى الله فقط» بحسب وردة.

وتابع: «شعور الفقر بالرّوح يُعلّمنا عيش فكرة العطيّة، فنغدو ممتلئين شكرانًا عوض الشكوى، وتمجيدًا عوض التذمّر، وعطاءً عوض الاحتكار، مكتفين بالضروريّ، لنُوسِّع أمام البركة طريقها إلى الآخرين».

الغنيّ المُمْسِك يده خوفًا من الفقدان يفقد فرح العطاء، أمّا فرح الفقير المانح، الفاتح يدَيه، فلا ينضب أبدًا، ليقينه أنّ الله سيملؤها من جديد وأنّ «الْعَطَاء مَغْبُوطٌ أَكْثَر مِنَ الأَخْذِ».

شدّد وردة على أنّنا مدعوّون جميعنا إلى التجرّد، لا لنحرم أنفسنا، بل لنفرغها كي تمتلئ بالنور، «أن نفرغ لله مساحةً صغيرةً خالية من الأشياء وهموم العالم كي يُولد فيها، والمغارة تُذكِّرنا بأنّ هذه المساحة ليست بالضرورة قصرًا، بل هي قلب متواضع يعرف كيف يقول لله: "أنا لست شيئًا، لكنّكَ أنتَ كلّ شيء"».

في عالمٍ يقيس قيمة الإنسان بمقدار ملكيّته، يأتي الله ليقلب المقاييس ويعدّل الموازين ويعلّمنا أنّ لا مال يمكنه أن يشتري السعادة أو يخزّنها أو يقتنيها، فالسعادة هبة مجّانيّة تُوهَب فقط لمَن يعرف كيف يفتح يديه كطفلٍ، مترقّبًا عطيّة الله وحضنه الحنون.

وختم مؤكِّدًا أنّ الفقر الذي يتحدّث عنه الإنجيل ليس انكسارًا، بل حرّيّة، «فمَن تخلّى عن كلّ ما يُقيّده يُصبح خفيفًا كالملاك، وقادرًا على أن يطير نحو الله. ومَن يعترف بفقره أمام الله يُدرك الغنى الحقيقيّ، لأنّ الله يملأ فقر روحه، ويُحرّره من الغنى الزائف، ووَهْم الاكتفاء، فيغدو قلبه مذودًا صغيرًا مستعدًّا لاستقبال ملك السلام، مغتنيًا فرحًا ومحبّة».

رسالتنا الحقيقة. انضمّ إلينا!

تبرّعك الشهري يساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته