مسيحيّو الشرق الأوسط في العام 2025… بين الصمود والتحوّلات

حصاد 2025: المسيحيّون في الشرق الأوسط بين الرجاء والتحدّي حصاد 2025: المسيحيّون في الشرق الأوسط بين الرجاء والتحدّي | مصدر الصورة: إسماعيل عدنان/آسي مينا

شكّلَ العام 2025 مرحلةً متقلّبة بالنسبة إلى مسيحيّي الشرق الأوسط، تماوج فيها مشهد المبادرات الداعمة ورسائل الرجاء من جهة، ومشهد التحولات والأزمات الأمنيّة والمعيشيّة والهجرة المتواصلة من جهة ثانية.

واصلت الدولة المصريّة هذا العام سياساتها الإيجابيّة تجاه المسيحيّين، ولا سيّما عبر تطوير مسار العائلة المقدّسة، وتقنين أوضاع 160 كنيسة ومبنى، إضافة إلى صرف «منحة عيد الميلاد» للعمالة غير المنتظمة. في المقابل، واجه الأقباط تحدّيات أبرزها عدم مراعاة بعض الجامعات مواعيد الأعياد المسيحيّة في جداول امتحاناتها. أمّا التحدّي الأعمق فتمثّل باعتداءات متفرّقة شنّها متشدّدون، شملت خطف فتيات، وتهجير عائلات، وتخريب ممتلكات وكنائس ومقابر، وخطابات كراهية، ما يعكس فجوة بين الموقف الرسميّ وبعض الممارسات.

الأردن... نموذج استقرار يُنتظر استكماله

يُعدّ الأردن من أكثر بلدان المنطقة أمانًا للمسيحيّين، مع دعم رسميّ متصاعد تُرجم هذا العام بتولّي وزارة السياحة والآثار الأردنيّة إنشاء ثماني نقاط احتفاليّة في البلاد بمناسبة عيد الميلاد، وإطلاق «مسار المعموديّة» للحجّ المسيحيّ، وإصدار طوابع تحمل أيقونات قدّيسي الأردن. كما استضاف البلد مؤتمرات فكريّة كنسيّة، وعقَدَ ملك الأردن لقاءات مهمّة مع عدد من قادة الكنائس في المنطقة والعالم. مع ذلك، ينتظر المسيحيّون صدور قانون جديد للأحوال الشخصيّة، في ظلّ استمرار نزيف الهجرة الذي خفّض نسبتهم الديموغرافيّة بشكل ملحوظ في خلال العقود الماضية.

لبنان... رجاء بابويّ وسط الأزمات

رغم مرور خمسين عامًا على الحرب الأهليّة، لا يزال لبنان يعيش تداعيات الانقسامات والأزمات، ويُعاني الدمار الذي خلّفه القصف الإسرائيليّ، خصوصًا في جنوب البلاد. وشكّلت زيارة البابا بلسمًا روحيًّا، حاملةً رسائل قويّة عن السلام، ودور اللبنانيّين في العالم، ومسؤوليّة الشباب في صناعة المستقبل، وضرورة عدم نسيان الفقراء والضعفاء. غير أنّ الواقع السياسيّ والاقتصاديّ ما زال يُثقل كاهل المسيحيّين ويجعل الهجرة خيارًا مفتوحًا.

سوريا... طمأنة رسميّة وقلق متجذّر

مرّ عامٌ صعب على مسيحيّي سوريا، في ظلّ انفلات أمنيّ وعمليّات تخريب متفرّقة طالت كنائس ورموزًا دينيّة كثيرة، أخطرها كان في قلب العاصمة السوريّة مع تفجير كنيسة مار إلياس، وكذلك في السويداء مع تخريب ما لا يقلّ عن 6 كنائس، ونهب عدد كبير من الممتلكات وتخريبها، وقتل عدد من المسيحيّين هناك. في المقابل، أسهَمَ التعاون بين الدولة والكنيسة، ولقاءات القيادة السياسيّة، خصوصًا الرئيس أحمد الشرع والبطاركة، في تخفيف حدّة القلق، إلى جانب إجراءات حماية مشدّدة للكنائس أيّام الأحد وفي الأعياد. إلّا أنّ المسيحيّين ما زالوا يواجهون ظروفًا معيشيّة صعبة، ومخاوف من مستقبل غير واضح، وهو وضع ينطبق حتّى على الذين يعيشون في شرقيّ سوريا تحت ظلّ «الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة لإقليم شمال سوريا وشرقها».

الأراضي المقدّسة... احتفال حذر وبقاء مهدّد

عاد المسيحيّون هذا العام للاحتفال بعيد الميلاد في بيت لحم وسواها بعد تراجع حدّة الحرب، رغم ما خلّفته من دمار، خصوصًا في غزّة حيث يُواجه مَن تبقّى تحدّي البقاء بكرامة. وفي الضفّة الغربيّة، تصاعدت اعتداءات المستوطنين، لا سيّما في بلدة الطيبة. ومع استمرار البطالة والاضطرابات، تتواصل هجرة المسيحيّين، حتّى باتت نسبتهم تُقارب 1% فقط.

العراق... بين إعمار الكنائس والنزيف البشريّ

شهد العراق هذا العام مفارقة واضحة: اعتداءات متكرّرة على مقابر وكنائس وتجدّد موجات الهجرة التي أفقدت البلاد نحو 90% من مسيحيّيها في عقدين، وذلك في مقابل إعادة إعمار وافتتاح أديرة (مار أوراها) وكنائس (الطاهرة الكلدانيّة، ومار توما للسريان الأرثوذكس في الموصل، وكاتدرائيّة أمّ النور في عنكاوا، وتقديس مذبح كنيسة سيّدة السريان في دهوك للسريان الأرثوذكس)، مع احتضان كنيسة إبراهيم الخليل في موقع أور الأثريّ العراقيّ أوّلَ صلاة. سياسيًّا، أعادت انتخابات 2025 النيابيّة الجدل حول كوتا المسيحيّين وتمثيلهم، وسط دعوات كنسيّة إلى توحيد الصفّ والدفاع عن الحقوق. وبقيت الهجرة، خصوصًا بين الشباب، العنوان الأبرز.

في ختام هذا المشهد المليء بالتحدّيات، أعلن الفاتيكان هذا العام قداسة المطران الشهيد إغناطيوس مالويان، وهي خطوة رمزيّة عميقة أعادت تسليط الضوء على تاريخ الشهادة الذي طبع حضور المسيحيّين في هذه المنطقة. كما أنّ صدى رسالة الحبر الرومانيّ إلى شعوب المنطقة، في ختام القداس الإلهيّ في بيروت، لا يزال حاضرًا، خصوصًا عندما قال: «الشرق الأوسط بحاجة إلى مواقف جديدة، إلى رفض منطق الانتقام والعنف، وإلى تجاوز الانقسامات السياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة، وإلى فتح صفحات جديدة باسم المصالحة والسلام... لمسيحيّي المشرق، أصحاب هذه الأراضي، أكرِّر وأقول: تشجَّعوا!».

رسالتنا الحقيقة. انضمّ إلينا!

تبرّعك الشهري يساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته