البابا فرنسيس يمدّ يده من جديد للحكومة الصينيّة. ماذا في التفاصيل؟

البابا فرنسيس محيّيًا حجّاج من الصين في العام 2017 البابا فرنسيس محيّيًا حجّاج من الصين في العام 2017 | Provided by: L’Osservatore Romano

أجرى البابا فرنسيس مقابلة مع وكالة رويترز الإخباريّة السبت الفائت في حاضرة الفاتيكان. تناول البابا في مقابلته مواضيع عدّة نشرت رويترز البارحة جزءًا منهما، لتنشر اليوم جزءًا آخر متعلّقًا باتّفاق الفاتيكان مع الصين في العام 2018. نقدّم هنا أبرز مواقف البابا في المقابلة إضافة إلى شرح للخلفيّة التاريخيّة للمشكلة الفاتيكانيّة الصينيّة.

عقد الفاتيكان في العام 2018، وللمرّة الأولى، اتّفاقًا مع السلطات الصينيّة يخصّ تعيين الأساقفة الكاثوليك فيها. إحدى أهداف هذا الاتّفاق، الذي يتمّ تجديده كلّ سنتين، هو رأب الصدع في الكنيسة الكاثوليكيّة الصينيّة. ففي الصين كنيستين كاثوليكيّتين: «كنيسة وطنيّة»، مُعترف بها من الدولة الصينيّة، يتمّ تعيين أساقفتها من قبل الحكومة الصينيّة وكنيسة أخرى تُدعى «كنيسة تحت الأرض»، يتمّ تعيين أساقفتها من قبل الفاتيكان على مثال بقيّة أساقفة اللاتين في العالم.

لبّ المشكلة

ينظر الحزب الشيوعي، الحاكم لجمهوريّة الصين الشعبيّة، للكنيسة الكاثوليكيّة بتشكيك وكعامل للتدخّل الخارجي على أراضيها. إذ إنّ الكنيسة الكاثوليكيّة تكنّ الولاء لبابا روما، الذي هو رأس الكنيسة ورأس دولة الفاتيكان. وفي العالم الكاثوليكي اللاتيني، يتمّ تعيين الأساقفة بمرسوم من خارج الأراضي الصينيّة. ولا يجب نسيان أنّ الحزب الشيوعي الحاكم في جمهوريّة الصين الشعبيّة حزب ملحد. لكنّ هذا الحزب يعترف بالأديان القائمة على الأراضي الصينيّة، بينها الدين الكاثوليكي. وفي الوقت عينه، لا يجب نسيان أنّ الديانة المسيحيّة وصلت إلى الصين منذ القرن السّابع بعد المسيح، إذ لها قصّة طويلة في قلب الحضارة الصينيّة. 

يُضاف إلى المشكلة، سلسلة من الأحداث التاريخيّة المؤلمة والاضطهادات ضدّ الكنيسة الكاثوليكيّة بالأخصّ عند تسلّم الشيوعيّة الحكم، التي لا تزال حاكمة حتّى اليوم. كما تدخل على الخطّ، مسألة التمثيل الديبلوماسيّ بين الفاتيكان وجمهوريّة الصين الشعبيّة. فللفاتيكان تمثيل ديبلوماسيّ مع تايوان، الجزيرة الصينيّة ذات الحكم الديمقراطي. إذ كانت الدولة الفاتيكانيّة في تمثيل ديبلوماسي معها عندما كان النظام الديمقراطي يمتدّ على كلّ الصين القاريّة وليس فقط على الجزيرة المعنيّة. ومع استلام الشيوعيّين الحكم وانسحاب الديموقراطيّين إلى تايوان، أعاد الفاتيكان تمثيله الديبلوماسي مع الديمقراطيّين بعد إقفال جمهوريّة الصين الشعبيّة السفارة الباباويّة على أراضيها وطرد العاملين فيها بتهمة «التجسّس».

اليوم، تعتبر الصين الشعبيّة تايوان جزءًا لا يتجزّأ من أراضيها. فلا تقبل الصين القاريّة أن تكون للدول تمثيلًا ديبلوماسيًّا في تايوان وفيها. وأهمّ بعثة ديبلوماسيّة في الوقت الحالي في تايوان هي السفارة الباباويّة. ويضاف إلى ذلك أنّ مسألة وحدة الأراضي الصينيّة مع الجزيرة التايوانيّة تشكّل محطّ توتّر في السنوات الأخيرة بين الصين الشعبيّة من جهة وتايوان والغرب من جهة أخرى، مما زاد من تعقيد العلاقات الفاتيكانيّة-الصينيّة.

الكنيسة الوطنيّة

في خمسينيّات القرن الماضي، نشأت في جمهوريّة الصين الشعبيّة مؤسّسة الكاثوليك الوطنيّة التي نشأت منها الكنيسة الكاثوليكيّة الوطنيّة. يتمّ تعيين أساقفة هذه الكنيسة من قبل الحكومة الصينيّة. هذه الكنيسة الوطنيّة، التي حرمها الباباوات، لم تكن ترى في بابا روما رأسًا كنسيًّا لها حتّى اتّفاق عام 2018.

البابا فرنسيس وديبلوماسيّة الممكن

اليوم، وبعد اتّفاق العام 2018، يعترف شقّا الكنيسة الصينيّة ببابا روما رأسًا للكنيسة الكاثوليكيّة، لكن الاتّفاق يلقى انتقادات عدّة على الرغم من ذلك. وفي مقابلة مع وكالة رويترز، تمّ نشرها اليوم الثلاثاء، تناول البابا اتّفاق الفاتيكان والصين هذا. قال البابا لرويترز: «الاتّفاق يجري بشكل جيّد وآمل أن يتمّ تجديده.» وأردف البابا لرويترز: «هذه هي الديبلوماسيّة. عندما تواجه موقفًا مسدودًا، عليك أن تجد الطريق الممكن، وليس الطريق المثالي، للخروج من هذه الحالة.» وأضاف: «الديبلوماسيّة فنّ الممكن وصنع أشياء تجعل الممكن واقعًا.»

تشابه مع يوحنّا الثالث والعشرين وبولس السّادس

وشبّه البابا منتقديه، في حديثه مع رويترز، بمنتقدي الباباوات يوحنّا الثالث والعشرين وبولس السّادس والكاردينال أغسطينو كاسارولي. فهؤلاء عقدوا اتّفاقات غير مريحة في أحيان عدّة، مع بلدان شيوعيّة، لإبقاء الكنيسة على قيد الحياة، في ستّينيّات وسبعينيّات القرن الماضي. وأغسطينو كاسارولي، دبلوماسيّ فاتيكانيّ عمل تحت حبريّة باباوات ثلاثة بين عامي 1961 و1990، اتّهمه العديدون بالتعاون مع عدو لا إله له هو الشيوعيّة. لكن يُجمع المؤرّخون اليوم أنّ جهود كاسارولي قد تمكّنت من إبقاء الكنيسة على قيد الحياة في أوروبا الشرقيّة، إلى حين سقوط جدار برلين في العام 1989، بحسب ما نقلت المقابلة مع رويترز.

تعيين الأساقفة الصينيّين

وأضاف البابا لرويترز أنّ تعيين الأساقفة في الصين: «يسير ببطء، لكن تعيينهم يحصل.» كما أطلق البابا على العمليّة تسمية «الطريقة الصينيّة»، لأنّ بحسب قوله «يملك الصينيّون حسًّا بالوقت لا يستطيع أحد فيه أن يدفعهم للإسراع.» ومنذ اتّفاق 2018، تمّ تعيين ستة أساقفة بينما تمّ قبول سبعة أساقفة لم يكن يعترف الفاتيكان بهم قبلًا. فاليوم أصبح جميع أساقفة الصين الكاثوليك مُعترف بهم من الفاتيكان وتعيين الأساقفة يمرّ عبر الفاتيكان. وشرح البابا أنّ معاملة الكاثوليك تختلف بين منطق وأخرى في الصين، بحسب السلطات المحليّة.

معارضة الاتّفاق

لاقى اتّفاق العام 2018 معارضة قويّة من الكاردينال جوزف زين، رئيس أساقفة هونغ السّابق، الذي اعتبر ولا زال يعتبر أنّ الفاتيكان تصرّف عن ثقة، لكنّه قام بخطوة غير حكيمة. كما اتّهم زين الفاتيكان بغضّ النظر عن الجرائم التي ترتكبها السّلطات الصينيّة ضدّ حقوق الإنسان. ويُذكر أنّ زين قد تمّ اعتقاله في شهر أيّار الفائت من قبل السلطات الصينيّة التي اتّهمته بالتعاون مع جهات خارجيّة.

فرنسيس يوحنّا بولس ثانٍ آخر؟

المزيد

اليوم، يتوقّع مراقبون عدّة ويطالبون أن يتبنّى البابا فرنسيس موقفًا صارمًا بوجه الصين الشيوعيّة، مستنسخًا سلفه يوحنّا بولس الثاني، يوم كانت أوروبّا الشرقيّة وراء الستار الحديدي الشيوعي. فمواقف يوحنّا بولس لا تزال مطبوعة في الذاكرة الجماعيّة للعالم الكاثوليكيّ. لكن فرنسيس يُصرّ في جميع مواقفه على الحوار ثمّ الحوار وبعدها الحوار في كلّ العالم. من هنا البابا الأرجنتيني يغلّب اليوم منطق الحوار مع الصين الشعبيّة أيضًا، ما يراه مراقبون أنّه بعيد عن مواقف البابا البولندي التاريخيّة بوجه الشيوعيّة. وربّما بعض أبرز أسباب هذا الاختلاف بين الباباوين، هو الظروف الشخصيّة المختلفة لنشأتهما في أوروبا الشرقيّة وفي الأرجنتين كما الظروف الدوليّة المختلفة المحيطة بحبريّة الإثنين.

مهمّتنا هي الحقيقة. انضمّ إلينا!

تبرّعك الشهري سيساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة، بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته