بيروت, الأحد 1 فبراير، 2026
في الشرق الأوسط، غالبًا ما يُختزَل مفهوم اضطهاد المسيحيّين بصوَره الأكثر دمويّة: مؤمنون يُهدَّدون تحت فوهات البنادق، وكنائس تُحرَق، ونساء يُختطفنَ، وعائلات تُجبَر على الهجرة أو التخلّي عن دينها. هذه المشاهد ليست افتراضًا نظريًّا، بل هي واقعٌ يوميّ في عدد من بلدان المنطقة. غير أنّ الحالة اللبنانيّة تختلف في طبيعتها لا في خطورتها.
في بلاد الأرز، لا يُستهدَف وجود المسيحيّين بالضرورة عبر عنف مباشر، بل يُقوَّض تدريجًا بأساليب أكثر هدوءًا ودهاءً، عبر تحويل الأرض إلى سلاح يُهدّد بقاءهم. في هذا السياق، شرح هشام بو ناصيف، الأستاذ في العلاقات الدوليّة ودراسات الشرق الأوسط في كليرمونت ماكينا، ومؤسّس «لبنان الفدراليّ»، في حديثٍ لـ«آسي مينا»، أنّ المجتمعات القائمة على صراعاتٍ إثنيّة تحكمها معادلاتٌ بنيويّة حاسمة، قائلًا: «هناك عاملان بنيويّان يمكن أن يصنعا مصير أيّ جماعة أو أن يقضيا عليها: الديموغرافيا والجغرافيا». وأضاف أنّ «المسيحيّين خسروا أصلًا التفوّق الديموغرافيّ، وإذا خسروا اليوم أيضًا التفوّق الجغرافيّ، أي ملكيّتهم لأرضهم، فسيكونون عمليًّا خارج المعادلة السياسيّة في لبنان. من هنا تكمن خطورة ما يجري».
من جهته، حذّر المجلس التنفيذيّ للرابطة المارونيّة في لبنان أخيرًا من «مخطّط شراء الأراضي في بعض الأقضية، خصوصًا في بعبدا وجزّين وزحلة والشوف الساحليّ وغيرها». غير أنّ هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، فالتحذيرات من بيع الأراضي المملوكة لمسيحيّين تعود إلى سنوات طويلة. في العام 2007، أصدر الاتّحاد المارونيّ العالميّ بيانًا حذّر فيه من بيع أراضٍ تعود ملكيّتها إلى مسيحيّين، متّهمًا إيران بشراء هذه الأراضي عبر «حزب الله». ودعا الاتّحاد حينها اللبنانيّين المغتربين الميسورين إلى إنشاء صندوق خاصّ والمبادرة إلى شراء الأراضي المعروضة للبيع.
ومنذ ذلك الحين، عادت هذه المخاوف إلى الواجهة مرارًا، مع تحذيرات من أساليب ملتبسة وغير مباشرة، من بينها واجهاتٌ تعمل تحت عناوين اجتماعيّة أو تربويّة أو خيريّة، بما يُضفي على العمليّة طابعًا خفيًّا يصعب تتبّعه. في الأشهر الأخيرة، تصدّرت «جمعيّة الكوثر» المشهد بعد تداول وثائق تتّهمها بالاستحواذ على عقارات عدّة على ساحل الشوف. ورغم أنّ السجلات الرسميّة تُظهر أنّ للجمعيّة أهدافًا اجتماعيّة، أثارَ التدقيقُ في الجهات المرتبطة بها تساؤلات، لا سيّما مع ورود اسم علي تاج الدين، الخاضع لعقوبات أميركيّة. وبحسب وزارة الخزانة الأميركيّة، استخدم تاج الدين شبكة شركات لشراء عقارات لمصلحة «حزب الله».
