بيروت, الخميس 29 يناير، 2026
الديموغرافيا ليست مجرّد معطى إحصائي أو توصيف سكّاني، بل أداة سياسيّة تُستَخدم في الصراع على السلطة والنفوذ. في لبنان، يقوم النظام السياسي على توازنٍ طائفي دقيق، يفترض أن يضمن الشراكة بين مكوّناته المختلفة. غير أنّ هذا التوازن بات موضع تشكيك متزايد، مع تصاعد توظيف الأرقام الديموغرافيّة كورقة ضغط سياسيّة تُستخدَم على نحو متنامٍ في مواجهة وجود المسيحيّين ودورهم، بما يفتح الباب أمام إعادة طرح الأسس التي قام عليها الكيان اللبناني.
يرتكز النظام السياسي في لبنان على توازنٍ طائفي دقيق، قوامه المناصفة في التمثيل النيابي بين المسيحيين والمسلمين، إلى جانب توزيع الرئاسات الثلاث. غير أنّ هذا التوازن عاد في الآونة الأخيرة ليكون موضع هجومٍ خطابي متجدّد. فقد كتبت صحافية في وسيلة إعلامية قريبة من «حزب الله» مقالًا استندت فيه إلى أرقام ناخبين للعام 2025، تُظهر وجود نحو 2.7 مليون ناخب مسلم في مقابل 1.37 مليون ناخب مسيحي، متسائلة عن جدوى استمرار المناصفة النيابية في ضوء هذه المعطيات، ومعتبرة أنّ «الوزن الديموغرافي» يفترض أن ينعكس نفوذًا سياسيًّا وإداريًّا أوسع للمسلمين. وقد أثارت هذه المقاربة جدلًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد تزامنت الرواية مع تصاعد الحديث عن تسليم «حزب الله» سلاحه، وما يرافق ذلك من محاولات لتعويض هذا التحوّل عبر تعزيز النفوذ السياسي والمؤسسي للحزب.
في العام 2023، صرّح رئيس حكومة تصريف الأعمال وقتذاك نجيب ميقاتي بأنّ نسبة المسيحيين في لبنان لا تتجاوز 19.4 في المئة، وهو رقم رفضته القيادات المسيحية والكنيسة وخبراء الديموغرافيا. ولم تقتصر ردود الفعل الغاضبة على التشكيك بدقّة الرقم، بل طالت أيضًا السياق السياسي الذي أُطلق فيه. ورغم دحض هذه النسبة لاحقًا، ما زالت تتردّد في سجالات طائفية محتدمة، وغالبًا ما تُستَخدم لأغراض استفزازية أو لتهميش المسيحيين. ويرى كثيرون في ذلك تعبيرًا عن ذهنية خطيرة، تختزل الشرعية السياسية بالعدد، وتلمّح ضمنًا إلى ربط الأكثرية العددية بالهيمنة على الأقليات، أو إلى السعي لتقويض الوزن السياسي والضمانات التي شكّلت تاريخيًّا ركيزة الوجود المسيحي في لبنان.
وفي بيانٍ مشترك صدر أخيرًا، حذّرت جمعية «لابورا»، بالتعاون مع مجالس أمناء الكنائس المسيحية الـ13 في لبنان وممثّلي الأحزاب السياسية المسيحية الرئيسة، مما وصفوها بأنها انتهاكات مستمرة للتوازن الطائفي داخل الإدارات العامة. وأشار البيان إلى حالات متكرّرة في عدد من الوزارات، بينها الأشغال العامة والنقل، والصحة، والعمل. ولفت البيان أيضًا إلى غياب أي مرشّحين مسيحيين عن الانتخابات المرتقبة لرابطة موظفي الإدارة العامة، معتبرًا أنّ ذلك يعكس حالة إحباط عميقة لدى مَن تبقّى مِن موظفين مسيحيين.