ردود فعل على كتاب جدليّ لرئيس دائرة عقيدة الإيمان

رئيس دائرة عقيدة الإيمان الفاتيكانيّة الكاردينال فيكتور مانويل فرنانديز في مؤتمر صحافيّ بدار الصحافة الفاتيكانيّة عام 2014 وغلاف كتابه الجدليّ رئيس دائرة عقيدة الإيمان الفاتيكانيّة الكاردينال فيكتور مانويل فرنانديز في مؤتمر صحافيّ بدار الصحافة الفاتيكانيّة عام 2014 وغلاف كتابه الجدليّ | مصدر الصورة: دانييل إيبانيز/آسي مينا

تصدّر كتاب لرئيس دائرة عقيدة الإيمان الفاتيكانية الكاردينال فيكتور مانويل فرنانديز، منشور عام 1998 عن مواضيع جنسية مختلفة، صفحات الصحافة المتابعة للشأن الكنسي. وقد أثار الموضوع جدلًا قد يزيد من حدّة المراقبة على رئيس الدائرة الذي يواجه أصلًا تحديات عدّة.

يحتوي الكتاب المنشور قبل 26 سنة بعنوان «العاطفة الصوفية: بين الروحانية والشهوانية»، على وصف مفصّل للعلاقات الجنسية البشرية ونقاش حول ما وصفه اللاهوتي الأرجنتيني بـ«النشوة الصوفية».

حجم العمل 100 صفحة، وفيه لقاء جنسي وهمي مفصّل مع يسوع المسيح على شواطئ بحيرة الجليل. وقد وصف فيرنانديز الأمر استنادًا إلى ما عَلِمَه من تجربة روحية لفتاة في سنّ السادسة عشرة.

ردود فعل على الكتاب

هذا الكتاب، المنشور أصلًا في المكسيك، جذب الاهتمام مجدّدًا في 8 يناير/كانون الثاني الحالي على المدونة الكاثوليكية التقليدية في الأرجنتين «المُتَجوِّل». إذ وصفت المدوّنة الكتاب بـ«غير الحكيم» و «المحرّض على الإثم» للقرّاء المحتملين.

وفي سياقٍ متّصل، أفاد موقع «القدّاس اللّاتيني» الإيطالي المحافظ بأنّ الكتاب «فاضح حقًّا وعلى ما يبدو مجدّفًا». ولم يلبِّ فرنانديز طلب أخبار الشبكة التلفزيونية للكلمة الأزلية، «إي دبليو تي إن نيوز»، بالتّعليق على ما جرى.

غياب الكتاب عن سيرة فرنانديز الفاتيكانيّة

هي ليست المرة الأولى التي يثير فيها كتاب قديم للّاهوتي الأرجنتيني عن موضوعات جنسيّة جدلًا واضحًا. فعندما عُيِّن فرنانديز رئيسًا لدائرة عقيدة الإيمان في يوليو/تمّوز 2023، برز مجدّدًا كتاب له من العام 1995 «اشفني بفمك: فنّ القبلات»، مثيرًا انتقادات لاذعة.

ونال الكتاب انتقادًا شرسًا بسبب مواضيعه ووصفه للشهوة. إذ أكّد كثيرون أنّ العمل غير مناسبٍ لكاهن يعيش البتولية. ولم يعرب فرنانديز عن ندمه على كتابة «اشفني بفمك»، بل وصف عمله بـ«تعليم راعوي للمراهقين» مصرّحًا أنّه «ليس كتاب لاهوت».

وعلى غرار «اشفني بفمك»، لا يظهر كتاب «العاطفة الصوفية» على قائمة أعمال فرنانديز الرسمية التي نشرها الفاتيكان عند إعلانه رئيسًا جديدًا لدائرة عقيدة الإيمان.

اقتباسات عدّة من القدّيسين

يرتكز معظم كتاب «العاطفة الصوفية» على تقليد الكنيسة عن الحبّ الإلهي. وفيه، أولى الكاتب كيفية اختبار النشوة الإلهية اهتمامًا خاصًّا  ليس عبر الخبرة الروحيّة فحسب، بل من خلال التجربة الجسدية أيضًا. ويقتبس فرنانديز في كتابه أقوالًا كثيرة لقديسين ومتصوّفين مثل أغسطينوس ويوحنا الصليب وتريزا الأفيليّة وأنجيــلا من فولينيـو.

وفي هذا الإطار، شرح فرنانديز في كتابه: «تُظهر لنا شهادات المتصوّفين أنّ العلاقة مع الله يمكن أن تعود بالفائدة للإنسان بدءًا من المستوى الشهواني حتّى ذلك الجنسي».

ولطالما أعطت الكنيسة الكاثوليكية موضوع العلاقات الجنسية البشرية والحميمية مع الله مساحةً كبرى. فتشكّل أعمال القديس يوحنا بولس الثاني عن لاهوت الجسد مثالًا واضحًا عن ذلك، على سبيل المثال.

تجربة حبّ مع يسوع

لكنّ عمل فرنانديز مختلف بوصفه البياني وتركيزه على المتعة الجنسية بأنّها ليست مجرّد رمز للاتحاد الإلهي، بل مكوّنة له، وبخاصّة في الفصول الأخيرة من العمل. وَصفُ فرنانديز لـ«تجربة حبّ ولقاء حميمي مع يسوع، أخبرتني عنه فتاة في سنّ السادسة عشرة»، يأتي في الفصل السادس من الكتاب حيث عبارة: «هلمّي يا جميلتي!».

المزيد

وتدور أحداث الفقرة حول لقاء مع المسيح على بحيرة الجليل، بينما يسبح ويستلقي على الرمال. ويلي تلك الأحداث وصف مطوّل عن تقبيل المسيح ومداعبة جسده من الرأس حتّى أخمص القدمين. وتُظَهَّر العذراء مريم في المشهد على أنّها حاضرة تبدي موافقتها على اللقاء.

النشوة البشريّة ومركز المحبّة

أمّا الجزء النهائي من الكتاب، فيركّز على النشوة البشرية وارتباطها بالحميمية الإلهية. ولا يغيب عن تلك الفقرات وصف استفزازي مفصّل.

فعلى سبيل المثال، في فصل «نشوة الذكر والأنثى»، يقدّم فرنانديز وصفًا مفصّلًا وشاملًا للجماع. ويقيّم اختلاف التفضيلات بين الذكور والإناث واختباراتهم للنشوة.

ومع ذلك، يختتم فرنانديز قائلًا: «في التجربة الروحية، يلامس الله مركز المحبة والمتعة الأكثر حميميّة، وهناك لا فارق إن كان رجلًا أم امرأة».

القدّيسون والنشوة

في فصل «الطريق إلى النشوة»، يبدو أنّ فرنانديز يقترح أنّ القديسين عاشوا متعة جنسية في اتحاداتهم الروحية بالله.

(تستمر القصة أدناه)

«بدأ بعض القديسين بعيش اختبارات حميميّة مع الله بعد اهتدائهم أو في خلاله. بينما عاش آخرون، مثل القديسة تريزا الأفيليّة، هذه الاختبارات بعد سنوات عدة من الجفاف الروحي. أمّا القديسة تريزا الطفل يسوع، فلم تختبر هذه التجربة "الحسّية" مع الرّب على الرغم من أنها شعرت بحبّه الدافئ. فهي حقّقت فرحًا غامرًا وشغفًا فقط عند لحظة وفاتها، إذ تجلّى وجهها ولفظت كلماتها الأخيرة: "أحبك إلهي، أحبك!"».

المثليّة الجنسية وتعايُش النعمة والخطيئة

تناول الكاردينال أيضًا العلاقات الجنسية بين الأشخاص من الجنس عينه. فبعدما كتب: «اختبار الحبّ الإلهي لا يعني بالضرورة أن يتوقف شخص مثليّ الجنس عن ممارسة العلاقات المثلية، على سبيل المثال»، أضاف: «يمكن لنعمة الله أن تتعايش مع الضعف وحتّى مع الخطايا، عندما توجد ظروف قاهرة. وفي تلك الحالات، يستطيع الشخص أن يُقدِم على أفعال هي خطيئة موضوعيًّا، من دون أن يقترف ذنبًا. فلا يفقد نعمة الله أو اختبار محبته».

وبعد التفكير في كيفية «بلوغ نوع من النشوة في علاقتنا مع الله»، دوّن الكاردينال في فصل «الله في نشوة الزوجَيْن» أنّه يمكن للربّ أن يكون حاضرًا «عندما يحبّ شخصان بعضهما بعضًا ويصلان إلى النشوة. فهذه الأخيرة، عندما تُختبر في حضرة الله، يمكن أن تُعدّ أيضًا عملًا ساميًا لعبادته». وإذ أشار فرنانديز إلى مصطلح «الزوج» في وصفه للعلاقات الجنسية، قليلًا ما ذكر بوضوح الزواج المعترف به، الذي تعدّه الكنيسة السياق الوحيد للعلاقات الجنسية المشروعة.

أنانيّة الاستمناء

في فقرة أخرى، دان رئيس دائرة عقيدة الإيمان الاستمناء واعتبره تصرّفًا أنانيًّا. ولكنّه وصف العلاقات الجنسية الأصيلة بشكل غامض وقال إنّها «منفتحة على الآخرين»، من دون وضع هذا الانفتاح ضمن إطار إعطاء حياة جديدة.

وبحسب تعاليم الكنيسة الكاثوليكية، إنّ العلاقات الجنسية ضمن إطار الزواج «تبقى مرتبطة في ذاتها بتكوين حياة بشرية جديدة». وتصف الكنيسة طابع الزواج الموحّد وهدفه الإنجابي كـ«سمتَيْن متأصلتَيْن في فعل الزواج».

وفي فقرة وصفيّة محدّدة، اقتبس فرنانديز من عالم الكلام المسلم من القرن الخامس عشر «السنوطي»، الذي سبّح الله على خلق العضو الذكري «صلبًا ومستقيمًا كالرّمح»، كي يستطيع الرجال «شنّ حرب» على الأعضاء المقابلة في أجساد النساء.

جدل بعد جدل

يأتي الجدل المُثار حول كتاب فرنانديز الصادر عام 1998 في خضم مراقبة شديدة عليه منذ نشره توجيهات لإمكانية مباركة الأزواج المثليين في 18 ديسمبر/كانون الأول الماضي. فقد انتُقِدَت هذه الوثيقة الفاتيكانية على نطاق واسع بسبب غموضها وفشل فرنانديز في عقد استشارات أوسع مع أساقفة العالم قبل نشرها.

وفي 4 يناير/كانون الثاني، أصدر فرنانديز بيانًا صحافيًّا غير مسبوق مؤلّف من 2000 كلمة لتوضيح وثيقة مباركة الأزواج المثليّين. وجاء التوضيح بعد اعتراض عالميّ كبير. فصرّحت مجالس أسقفية كاملة في أفريقيا وشرق أوروبا ومطارنة منفردون في أميركا اللاتينية وأوروبا والولايات المتحدة بأنّهم لن يسمحوا بتلك المباركة في أبرشيّاتهم.

وكان فرنانديز مستشار البابا فرنسيس للشؤون اللاهوتية لمدّة طويلة. وفي 30 سبتمبر/أيلول الماضي، أصبح كاردينالًا بعد فترة قصيرة على بدء مهامه في دائرة عقيدة الإيمان. وفي رسالة تعيينه، أكّد البابا فرنسيس أنّه ينتظر من فرنانديز تعزيز «المعرفة اللاهوتية» بدلًا من التركيز على تأديب «الأخطاء في التعليم».
تُرجِمَ هذا المقال عن وكالة الأنباء الكاثوليكية، شريك إخباري لـ«آسي مينا» باللغة الإنجليزية، ونُشِر هنا بحرفيّته.

رسالتنا الحقيقة. انضمّ إلينا!

تبرّعك الشهري يساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته