الراعي عن حوار النوّاب: للتجرّد من المصالح واعتماد الدستور

الراعي مترئسًا الذبيحة الإلهيّة صباح اليوم في المقرّ البطريركي الصيفي في الديمان-لبنان الراعي مترئسًا الذبيحة الإلهيّة صباح اليوم في المقرّ البطريركي الصيفي في الديمان-لبنان | مصدر الصورة: البطريركيّة المارونيّة-بكركي

أكّد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أنّ «المجتمع أصبح يعيش في هيكلية من الخطايا التي لا يتوب عنها أحد وكأنها أصبحت خطايا من دون مرتكبين، فيتكلمون على الفساد ولا يعلم أحد من هم المفسدون». وشدّد الراعي، في خلال ترؤسه الذبيحة الإلهية صباح اليوم في الأحد الخامس عشر من زمن العنصرة في المقر الصيفي للبطريركية في الديمان، على أن «لا مجال لبناء حياة جديدة من دون إرادة إيمانية وقرار بالتغيير في نمط التفكير والتصرف».

ولفت الراعي إلى أنّ «الحوار الذي يُدعى إليه نوّاب الأمّة، إذا حصل رغم التجاذبات بين القبول والرفض، إنّما يقتضي أوّلًا المجيء إليه من دون أحكام مسبقة وإرادة فرض أفكارهم ومشاريعهم ووجهة نظرهم من دون أي اعتبار للآخرين؛ ويقتضي ثانيًا روح التجرّد من المصالح الشخصيّة والفئويّة، ويقتضي ثالثًا اعتماد الدستور واعتباره الطريق الوحيد الواجب سلوكه؛ ويقتضي رابعًا الصراحة والإقرار بالأخطاء الشخصيّة والبحث عن الحقيقة الموضوعيّة التي تحرّر وتوحّد».

بعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى الراعي عظة بعنوان: «خطاياها الكثيرة مغفورة، لأنّها أحبّت كثيرًا» (لو 7: 4)، وقال: «أهمّ ميزة في الإنسان أن يكون في قلبه حبّ. ذلك أنّه "مخلوق على صورة الله ومثاله" (تك 1: 27)، والله بجوهره محبّة. كتب يوحنّا الرسول في رسالته الأولى: "لنحبّ بعضنا بعضًا، لأنّ المحبّة هي من الله ومن يحبّ فهو مولود من الله، ويعرف الله. لأنّ الله محبّة" (1 يو 4: 7-8). في هذا الحدث الإنجيليّ بانت قدرة المحبّة وشجاعتها وتأثيرها على قلب الله. فتلك المرأة الخاطئة المعروفة في المدينة قادها الحبّ الذي في قلبها إلى يسوع، وألهمها قرار التوبة والتماس مغفرة خطاياها من محبّته بالأفعال لا بالكلمات. هذا الحبّ علّمها أنّ يسوع الرحوم قادر أن يغفر خطاياها الكثيرة، ويجعلها تبدأ الحياة من جديد. ذرفت دموع التوبة على رجلَي يسوع، ونشفتهما بشعرها. قبّلت قدميه ودهنتهما بالطيب. بهذه الأفعال عبّرت عن ندامتها وحبّها ليسوع فقال للفرّيسيّ مستضيفه المتشكّك: "هذه المرأة مغفورة لها خطاياها الكثيرة لأنّها أحبّت كثيرًا" (لو 7: 47). ولها قال: "إيمانك خلّصكِ! إذهبي بسلام!" (لو 7: 50). من يحبّ الله، يقرّ بخطاياه ويتوب نادمًا، والله يغدق عليه غفرانه مهما كان ثقل خطاياه، لأنّه يقرأ في قلبه إيمانه بقدرة الغفران. يسعدنا أن نحتفل معًا بهذه الليتورجيا الإلهيّة فأرحّب بكم جميعًا، وبخاصّة «بمجلس الإنماء والتنسيق المسيحيّ» الذي يشرف عليه باسمنا سيادة أخينا المطران أنطوان بو نجم، رئيس أساقفة أنطلياس. فأحيّيه وسائر أعضاء المجلس وأهنّئهم بإعلان إطلاقه اليوم. هذا المجلس يضمّ مجموعة من اللبنانيين ذوي الخبرة والاختصاص الذين عقدوا العزم على إقامة مشاريع حلول تنمويَّة عمليَّة للمساعدة في معالجة قضايا اجتماعية واقتصادية وإنمائية ينوء تحت ثقلها المواطن، وعلى التنسيق مع مختلف القوى المجتمعية الحيَّة والفاعلة لتحقيق هذه الأهداف. إننا نبارك هذه المجموعة ومؤسسيها، وندعو لهم بالنجاح والتوفيق لما فيه خير المواطنين».

استقبال شعبيّ للراعي في بشرّي-لبنان أمس. مصدر الصورة: البطريركيّة المارونيّة-بكركي
استقبال شعبيّ للراعي في بشرّي-لبنان أمس. مصدر الصورة: البطريركيّة المارونيّة-بكركي

وأردف: «ايمان وحبّ وتوبة. ثلاثة مترابطة يعلّمها الربّ يسوع في حادثة الإنجيل. امتدح يسوع إيمان المرأة الخاطئة وحبّها وتوبتها، وبادلها غفران خطاياها بحبّ أكبر. آمنت المرأة بيسوع، وأدركت أنّه قادر على أن يغفر خطاياها ويشفيها، لكي تبدأ حياة جديدة. ولهذا قصدته في بيت سمعان الفرّيسيّ. استعدّت للتوبة، وقصدته بحبّ وثقة، وقامت بمبادرة مزدوجة غنيّة بالمعاني: وقفت باكيةً عند قدمَي يسوع تبلّلهما بالدموع. هي علامة انسحاق القلب والندامة. ندمت عن حياتها الماضية وعن الخطايا التي شوّهتها. بكت على حالها وماضيها، وأسفت وقرّرت تغيير مجرى حياتها. وبكت خجلًا على ما فعلت، وفي قلبها بريق أمل بأنّ يسوع سيتفهّمها ويغفر لها. الندامة هي هذا الانسحاق في القلب والأسف على الحالة السيئة وعلى الماضي، وفي طيّات الندامة قرار حاسم بتغيير مجرى حياتها وطريقة عيشها، وإصلاح الحال. وراحت تنشّف قدميه بشعرها وتقبّلهما وتدهنهما بالطيب. هي علامة حبّها الكبير ليسوع، حبٍّ يفوق كلّ الأشياء والأشخاص. بفعل الحبّ الصامت والتعبيريّ في آن، كانت تقرّ بخطاياها غير المحصاة وتلتمس المغفرة».

وتابع: «تشكّك سمعان الفريّسيّ من مبادرتي المرأة الخاطئة. فأجابه يسوع بمثل الدائن والمديون، وبأنّ ما فعلته تلك المرأة كان فعل حبّ كبير وتوبة عن خطاياها الكثيرة قاستحقّت المغفرة عنها كلّها. وتشكّك المدعوّون إلى الوليمة من سلطان يسوع على مغفرة الخطايا، فكان منه تأكيد سلطانه الذي يزرع السلام في القلوب، إذ قال للمرأة: "إيمانكِ خلّصكِ، إذهبي بسلام!" (لو 7: 50). إنّ أثمن هبة تركها المسيح لجميع الناس هي مغفرة خطاياهم من صميم قلب الله الرحوم. هذه الهبة سلّم خدمتها للكنيسة وكهنتها، وأرادها ثقافة مسيحيّة نقيضةً لشريعة قديمة: «سمعتم أنّه قيل: العين بالعين، والسنّ بالسنّ. أمّا أنا فأقول لكم: "أحبّوا أعداءكم، وباركوا لاعنيكم، وأحسنوا إلى مبغضيكم"» (متى 5: 38 و44).

وواصل الراعي: «تقول القدّيسة تريزا دي كالكوتا: "القلب الفارغ المنفتح على الله يملأه الله حبًّا ورحمة. أمّا القلب الملآن كبرياءً وبغضًا وحسدًا، فلا يستطيع الله مع كلّ قدرته أن يملأه. وحدها الصلاة والتوبة تفرغان القلب من الكبرياء التي هي أمّ كلّ الرذائل"».

 وأضاف: «تكثر بكلّ أسف، ولا سيما لدى معرقلي نهوض لبنان وانتخاب رئيسٍ للجمهوريّة، القلوبُ الفارغة من محبّة الله ورحمته وحنانه، ومن روح الندامة والتوبة عن الخطايا الشخصيّة. فأصبح المجتمع يعيش في هيكليّة من الخطايا التي لا يتوب عنها أحد، وكأنّها أصبحت خطايا من دون مرتكبين. يتكلّمون مثلًا على الفساد ومكافحته ولا يعلم أحدٌ من هم المفسدون».

وشدد الراعي على أن لا مجال لبدء حياة جديدة على كلّ الأصعدة الخاصّة والعامّة، الشخصيّة والجماعيّة، من دون إرادة إيمانيّة، وقرار بالتغيير في نمط التفكير والتصرّف. الجميع، ولا سيما المسؤولون السياسيّون، بحاجة إلى قلوب تملي عليهم ما يجب أن يفعلوا من خير.

وختم الراعي: «الحوار الذي يُدعى إليه نوّاب الأمّة، إذا حصل رغم التجاذبات بين القبول والرفض، إنّما يقتضي أوّلًا المجيء إليه من دون أحكام مسبقة وإرادة فرض أفكارهم ومشاريعهم ووجهة نظرهم من دون أي اعتبار للآخرين؛ ويقتضي ثانيًا روح التجرّد من المصالح الشخصيّة والفئويّة، ويقتضي ثالثًا اعتماد الدستور واعتباره الطريق الوحيد الواجب سلوكه؛ ويقتضي رابعًا الصراحة والإقرار بالأخطاء الشخصيّة والبحث عن الحقيقة الموضوعيّة التي تحرّر وتوحّد. إلى عناية الله وأنوار روحه القدّوس نكل مسيرة وطننا وشعبنا، راجين الوصول إلى ميناء الأمان، بنعمة الثالوث القدّوس، الآب والابن والروح القدس، له المجد والشكر الآن وإلى الأبد، آمين».

الراعي مترئسًا الذبيحة الإلهية في كنيسة السيّدة في بشرّي-لبنان أمس. مصدر الصورة: البطريركيّة المارونيّة-بكركي
الراعي مترئسًا الذبيحة الإلهية في كنيسة السيّدة في بشرّي-لبنان أمس. مصدر الصورة: البطريركيّة المارونيّة-بكركي

قدّاس في بشرّي

وكان البطريرك الراعي ترأس أمس قداسًا احتفاليًّا في كنيسة السيدة في بشري، بمناسبة مرور ستين عامًا على خدمة المونسنيور فيكتور كيروز الكهنوتية واليوبيل الخامس والعشرين لراهبات القديسة تريزا المقيمات في بشري.

رسالتنا الحقيقة. انضمّ إلينا!

تبرّعك الشهري يساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته