كيف يسعى مسيحيّو العراق إلى الحفاظ على لغتهم الأمّ؟

مخطوط سرياني في مركز توثيق المخطوطات الشرقيّة بأربيل-العراق مخطوط سرياني في مركز توثيق المخطوطات الشرقيّة بأربيل-العراق | Provided by: Guitta Maroun/ACI MENA

منذ القرن السادس قبل الميلاد، سادت اللغة الآراميّة في ثقافة بلاد الشرق الأوسط، وبها تحدّث المسيح وتلاميذه. لكن مع حلول القرن الرابع وانتشار المسيحيّة في بلاد المشرق، أصبحت تُسمّى السريانيّة. بالرغم من كونها إحدى أقدم اللغات المحكيّة في العالم، أصبح تناقص عدد المتحدّثين بها يشكّل تحدّيًا يواجه استمراريّتها في العراق. من هنا، حاورت «آسي مينا» عددًا من المختصّين فيها بغية تسليط الضوء على جهود مسيحيي أرض الرافدين في الحفاظ على لغتهم الأمّ.

في هذا السياق، قال الأب ياسر عطا الله، من جماعة إخوة يسوع الفادي الرهبانيّة ورئيس تحرير «المجلّة الليتورجيّة»: لعلّ «أقدم الوثائق السريانيّة التي استخدمت مصطلح "اللغة السريانيّة" عوض "اللغة الآراميّة" تعود إلى العام 132 م. في الرها». وأوضح أن العصر الذهبي للسريانيّة «كان بين القرنين الرابع والسادس. وهي غدت في العصر العباسي جسرًا بين الثقافات عندما ترجم السريان الكتب اليونانيّة إلى السريانيّة ومنها إلى العربيّة». ورأى عطا الله أن الكتب الطقسيّة للكنائس ذات الجذور السريانيّة قد حافظت على صفاء اللغة وساهمت في عدم اندثارها، بالرغم ممّا شابها لاحقًا من تعريب.

الأب ياسر عطا الله. Provided by: Father Yaser Atallah
الأب ياسر عطا الله. Provided by: Father Yaser Atallah

لكن السريانيّة كانت لغة الثقافة والأدب والفلسفة والعلوم أيضًا. وهي ما زالت لغة شعراء وكتّاب كثيرين اليوم، بالرغم من انحسارها منذ القرن الرابع عشر. لذا، اتفّق رئيس قسم اللغة السريانيّة بكلّية التربية في جامعة صلاح الدين بأربيل كوثر عسكر مع الرأي القائل إن الليتورجيا والطقوس وكل ما وصلنا من كتب ومخطوطات دونّها الرهبان والكهنة جعلت للكنيسة الدور الأبرز في الحفاظ على ما نمتلكه اليوم من إرث لغوي. لكن عسكر لا يعدّ السريانيّة لغة دينيّة بالمطلق.

لغة الأدب والثقافة

من جانبه، جزم رئيس اتحاد الأدباء والكتّاب السريان روند بولس أن اللغة السريانيّة ليست عريقةً فقط بل هي حيّة وثريّة بالمفردات والمرادفات. واتّفق بولس مع عسكر في تأكيد ضرورة التمييز بين السريانيّة الفصحى الكلاسيكيّة واللهجات الآراميّة الحديثة المتداولة اليوم. فالثانية هي السريانيّة المعاصرة، المسمّاة «السورَث» التي تختلف بدورها عن اللهجات المحكيّة.  

وفقًا لبولس، السورث المعاصرة، لغة الأدب والشعر اليوم، وريثة السريانيّة الفصحى الكلاسيكيّة. وهي ترتكز على معاجم هذه الأخيرة وتنهل منها لتطوير مفرداتها والارتقاء بها لمواكبة متطلّبات العصر، ملتزمةً بقواعدها الأصيلة.

روند بولس. Provided by: Rond Boulos
روند بولس. Provided by: Rond Boulos

تحدّيات أمام اللغة السريانيّة

ربما لا تكون السريانيّة مهدّدة اليوم بالاندثار لكن مستقبلها حافل بالتهديدات مع تراجع استخدامها كلغة أمّ لصالح اللغات الرسميّة للدول التي يعيش متكلّموها فيها، أكان في المهجر أو الوطن، على حدّ تعبير عسكر. وأضاف عسكر أن استشراء المدارس الأجنبيّة في البلاد قد أصبح سببًا لتحاور الأجيال الصاعدة بالإنكليزيّة حصرًا.

من جانبه، اعتبر عطا الله أن توسيع دائرة المهتمّين بها من أبنائها يساعد على مقاومتها الزوال. وأكد أهمّية إدخال المناهج السريانيّة إلى المدارس كما هو حاصل في العراق تحديدًا ولو كان الطلاب غير مهتمّين كثيرًا بتعلّمها. وأردف أن محاولات إحيائها وإعادة استخدامها على نطاق أوسع لا تلقى تشجيعًا كافيًا ولا روّادًا ملتزمين.

د. كوثر عسكر. Provided by: Dr. Cauthar Askar
د. كوثر عسكر. Provided by: Dr. Cauthar Askar

السريانيّة في مؤسسات التعليم الحكوميّة

على الصعيد الحكومي، تسعى المديريّة العامة للدراسة السريانيّة في وزارة التربية العراقيّة، منذ تأسيسها في العام 2012، إلى تطوير مهارات التلاميذ اللغويّة.

في هذا السياق، قال مديرها العام عماد سالم ججو لـ«آسي مينا» أن هذا المسعى يتمّ بالرغم من تناقص أعداد المدارس المشمولة بدروس اللغة السريانيّة من قرابة 250 إلى 180 مدرسة، إثر تراجع أعداد الدارسين من 21 ألفًا إلى 12 ألفًا بعد هجرة أبناء العائلات المسيحيّة تبعًا لصعود منظّمة داعش الإرهابيّة في العام 2014.

في هذا الصدد، عدّ ججو أيضًا تعلّم السريانيّة مشوِّقًا، ولا سيّما للمتحدّثين بها. واعتبر نجاح مشروع مديريّته لمحو الأميّة باللغة السريانيّة دليلًا على شغف الكبار بقواعدها خارج الإطار الأكاديمي، فضلًا عن رغبتهم في مساعدة أولادهم على دراستها. وسلّط ججو الضوء على شغف المغتربين بهذا الموضوع إذ يزداد الطلب على دراسة هذه اللغة. ولفت إلى أن مشروع إرسال كتب لتعلُّمها في المهجر في صدد الدراسة حاليًّا.

عماد سالم ججو. Provided by: Imad Salim Geggo
عماد سالم ججو. Provided by: Imad Salim Geggo

المزيد

السريانيّة في التعليم العالي

بين إقليم كردستان ومركز البلاد، تولي كلّيات حكوميّة عدّة في العراق اهتمامًا بدراسة اللغة السريانيّة كمادة أكاديميّة. فيوجد قسم للغة السريانيّة في كلّية التربية المفتوحة التابعة لوزارة التربية، كما في كلّية اللغات بجامعة بغداد، فضلًا عن جامعة صلاح الدين بأربيل.

ووفقًا لعسكر، بالرغم ممّا يشكّله وجود قسم للغة السريانيّة في جامعة بغداد من دعم معنوي لقضيّة المحافظة عليها، لكن مساهمة طلابه في الحفاظ على استمراريّتها محدودة لأنهم ليسوا من الناطقين بها وتنقطع علاقتهم بها بمجرد تخرّجهم. وشرح أن طلاب قسمه الذين يتحدّث أغلبهم السورث، يتخرّجون قادرين على القراءة والكتابة والنطق، ويحظون بفرص عمل مميّزة في الصحافة أو في دور حفظ المخطوطات وصيانتها أو كمحاضرين في المدارس.

مخطوط سرياني في مركز توثيق المخطوطات الشرقيّة بأربيل-العراق. Provided by: Rody Sher
مخطوط سرياني في مركز توثيق المخطوطات الشرقيّة بأربيل-العراق. Provided by: Rody Sher

مستقبل اللغة السريانيّة

في الختام، بينما يرى عسكر أن فتح أبواب الدراسات العليا للغة السريانيّة يخلق آفاقًا مستقبليّة واعدة تساهم في الحفاظ عليها، يعتقد عطا الله أن «السريان اليوم، إذا أرادوا استنهاض هويّتهم وثقافتهم، فإن لديهم القواعد الأساسيّة لذلك. ويمكنهم البدء من مكان أساسي يتمثّل في الأهمّية الدينيّة لهذه اللغة وتداخلها مع الكثير من اللغات واستمرار استخدامها».

وفيما يعتبر بولس أن تنقية اللغة السريانيّة المعاصرة من المفردات الأجنبيّة الدخيلة عليها أبرز تحدٍّ يواجهه «أدباؤنا وكتّابنا»، يرى ججو أن انقراضها شبه مستحيل ويعدّها لغة حيّة عميقة الجذور وباقية.

(تستمر القصة أدناه)

رسالتنا الحقيقة. انضمّ إلينا!

تبرّعك الشهري يساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته