حمص القديمة تستعيد مكانتها كعاصمة روحية في سوريا

Pope Francis with flag of Syria © L'Osservatore Romano

تزخر حمص القديمة بعدد كبير من الكنائس والمساجد الأثرية ذات القيمة الاستثنائية التي شكلت مقصداً للسياح من كل أرجاء العالم، وهي بذلك تعكس مكانتها كمدينة روحية بامتياز لترتقي إلى مرتبة العاصمة الدينية لسوريا. هذه البيئة الحمصية المشبعة بالتاريخ الروحي، وبقوامها الذي يحتوي على ما يزيد عن 21 كنيسة ومسجد ذو تاريخ عريق، يعنون الكثير لأبناء هذه المحافظة كما أنها تعكس البيئة الاجتماعية المتآخية التي يعيشها عموم السوريين منذ آلاف السنين وزوار الأحياء القديمة في مدينة
حمص
 وسط سوريا عندما يزورون شوارعها التراثية، يشدهم ذلك المشهد الفريد من تجاور مساجدها وكنائسها حتى يظهر لهم بأن مآذنها تمد يديها لتصافح أبراج الأجراس لكنائسها.

خلال الحرب، وبسبب ما جرى في مختلف أنحاء سوريا، امتدت يد التنظيمات الإرهابية المتشددة إلى دور العبادة الأثرية في المناطق التي سيطرت عليها داخل المدينة القديمة وعاثت فيها فساداً وتدميرا، كما اتخذت من بعضها مقرات لشن هجماتها على باقي الأحياء السكنية للمدينة، وقبل اندحارها عام 2014 أوغلت في تحويلها إلى أطلال بكل ما للكلمة من معنى.

وبعد تحرير مدينة حمص القديمة وبدء عودة المهجرين إلى منازلهم، عملت مديرية الآثار، بالتعاون مع مديرية الأوقاف والجهات المعنية الأخرى، على توثيق دور العبادة وترميمها ودراسة الأضرار التي لحقت بها، مع الحفاظ على طابعها الأثري.  

حيث قام معاون مدير الآثار والمتاحف في حمص، والمهندسة لمى السمان، بتقديم تصريح: "إن دور العبادة الأثرية ذات القيمة الروحية في مدينة حمص القديمة، تعرضت لأعمال تخريب ممنهجة على أيدي العصابات الإرهابية، وبعد تحرير المدينة، قامت دائرة آثار حمص بالتنسيق مع مديرية الأوقاف، بترميم عدد من هذه الدور، مثل جامع خالد بن الوليد وجامع الأربعين، وكنيسة أم الزنار وكنيسة مار اليان، وهي من أقدم كنائس العالم".

وأوضحت المهندسة السمان أن معظم الجوامع الأثرية في حمص تعود للفترتين المملوكية والأيوبية، وتتميز بعناصر معمارية زخرفية مثل المقرنصات وطاسات المحاريب المفصصة، وتعدد المحاريب في الجامع الواحد، فهناك محراب رئيسي وآخرين فرعيين على جانبيه، إضافة الى باحة الجامع (صحن) مع حرم وأروقة محيطة من ثلاث جهات.

وأضافت: "أما الكنائس تعود إلى الفترة البيزنطية مثل أم الزنار وماراليان وهي بذات الأسلوب العمراني المعروف لكنائس (البازيليك)، وفيها عدد من الأيقونات الأثرية التي تزينها، لافتةً إلى أنه تم توثيق كل الأيقونات وتحديد أماكن الضرر فيها وإرجاعها إلى الكنائس".

وتمت هذه الأعمال الترميمية لتعود كنيسة "أم الزنار" وتستعد لاستقبال زوارها من أنحاء العالم مع قرب انتهاء عمليات إعادة ترميمها من التخريب الذي لحق بها، حيث تعود كنيسة "أم الزنار" إلى فجر المسيحية في الشرق وتعد من أقدم كنائس العالم، بناها القديس إيليا أحد رسل السيد المسيح تحت سطح الأرض في أواسط القرن الميلادي الأول، لتسهيل التعبد السري لأتباع الديانة المسيحية، حماية لهم من البطش الذي لاقاه معتنقوها على أيدي الإمبراطورية الرومانية آنذاك.

المزيد


وتتميز كنيسة السيدة العذراء، والتي تمت تسميتها بـ "أم الزنار" في أواسط الخمسينيات من القرن العشرين، بوجود الذخيرة الأقدم للسيدة العذراء (الزنار) في العالم، وهو زنار حقيقي لثوب مريم العذراء تم حفظه في الكنيسة القديمة الواقعة في حي الحميدية بمدينة حمص القديمة.


ويقول كاهن كنيسة السيدة العذراء "أم الزنار" للسريان الأرثوذكس، الأب زهري خزعل: "يعود تاريخ الكنيسة القديمة إلى عام 59 ميلادي، كان يختبئ فيها المسيحيون قبل صدور مرسوم (ميلانو) وهي تحت الأرض بمسافة أكثر من سبعة أمتار، حيث بدأنا بترميمها عام 2007، ونتيجة الأحداث التي عصفت بالمدينة توقف العمل، وحالياً عدنا لترميمها". وأضاف الأب خزعل: "تم اكتشاف قسم ثان فيها، وبسبب الانهيارات نعمل على ترميمه وإعادته كما كان وأجمل. وحالياً يشرف مهندسون وأخصائيون بالآثار على العمل الذي ينصب على إظهار دور الكنيسة وجدران هذا المكان في إثبات وجود المسيحية مند آلاف السنين.

 كما بينت المهندسة السمان أن حمص تعد مدينة روحية لغناها الثقافي الروحي، وتشدد على السبب الرئيسي لذلك نتيجة وجود عدد من الجوامع المجاورة للكنائس، حيث شكلت مساراً سياحياً روحياً للمهتمين والمتخصصين والزوار، مشيرةً إلى أن المديرية حتى الآن تقوم بتوثيق جميع الجوامع والكنائس الأثرية المتضررة ليستطيعوا اكمال عمليات الترميم فيما بعد.

مهمّتنا هي الحقيقة. انضمّ إلينا!

تبرّعك الشهري سيساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة، بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته