الراعي: لتشكيل حكومة قادرة وانتخاب رئيس جديد متمكّن قبل نهاية أكتوبر المقبل

الراعي يترأس القداس الإلهي في كنيسة سيّدة إيليج يوم الأحد 18 سبتمبر/أيلول 2022 الراعي يترأس القداس الإلهي في كنيسة سيّدة إيليج يوم الأحد 18 سبتمبر/أيلول 2022 | Provided by: Maronite Catholic Patriarchate of Antioch

أكد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، في القداس السنويّ الذي ترأسه لراحة أنفس شهداء المقاومة اللبنانية في المقرّ البطريركي في كنيسة سيّدة إيليج في ميفوق-جبيل، مواصلة رفع الصوت من أجل قيام دولة لبنان، مطالبًا بتشكيل حكومة جديدة قادرة، وانتخاب رئيس جديد متمكّن من كلّ المواصفات التي يُجْمِعُ عليها اللبنانيّون قبل نهاية أكتوبر المقبل.

وجاء في عظة الراعي ما يلي:

«لِمَ أنتم خائفون هكذا؟ ولِمَ ليس فيكم إيمان؟» (مر 4: 40).

1.العاصفة العظيمة التي ضربت سفينة تلاميذ يسوع وهو معهم، هي عاصفة تتكرّر بشكلٍ آخر على أكثر من مستوى: على المستوى الشخصيّ عندما يمرّ الإنسان في مرحلة تغيير في مجرى حياته مثلما جرى لأغسطينوس، وعلى مستوى العائلة عندما تعصف الصعاب في الحياة الزوجيّة والعائليّة، وعلى مستوى المجتمع عندما تعكّره النزاعات والانقسامات، وعلى مستوى الدولة عندما تتهاوى مؤسّساتها الدستوريّة ويقع ضحيّتها المواطنون الأبرياء، وعلى المستوى الدوليّ عندما تعصف ويلات الحروب والمجاعة والقتل والتدمير والتهجير. كلّ هذه العواصف تزرع الخوف في النفوس لكن الربّ يسوع، الحاضر معنا ورفيق دروبنا يردّد لنا ما قاله لتلاميذه، أعمدة الكنيسة: «لِمَ أنتم خائفون هكذا؟ ولِمَ ليس فيكم إيمان؟» (مر 4: 40).

2.إنّنا بإيمان نلتقي اليوم في ظلّ سيّدة إيليج، وقرب ضرائح شهدائنا، شهداء المقاومة اللبنانيّة، بدعوة كريمة من رابطة سيّدة إيليج، لنقدّم هذه الذبيحة الإلهيّة ككلّ سنة، لراحة نفوسهم، ولشفاء الشهداء الأحياء الذين ما زالوا يحملون في أجسادهم علامة الشهادة والاستشهاد، ولعزاء أهاليهم، ولاستمراريّة شعلة المحبّة والإيمان بلبنان الوطن والرسالة في هذا المشرق وفي العالم.

3.كم من مرّة نسمع صوت الله في الإنجيل يردّد الدعوة لعدم الخوف: قالها على لسان الملاك لمريم: «لا تخافي» (لو 1: 30)، وليوسف في الحلم: «لا تخف» (مت 1: 2)، ولرعاة بيت لحم: «لا تخافوا» (لو 2: 10)، وليائيرس رئيس المجمع عندما بلغه خبر وفاة ابنته: «لا تخف. آمن فقط، وابنتك تحيا» (لو 9: 50)، ولسمعان-بطرس بعد صيد السمك العجيب والإقرار بأنّه خاطئ أمام الربّ، «لا تخف. فمن الآن تكون صيّاد الناس للحياة» (لو 5: 10). وبعد قيامة الربّ من الموت، ردّد في ظهوراته لرسله: «السلام معكم، لا تخافوا أنا هو» (لو 24: 36)، وللمرأتين اللتين أتيتا باكرًا صباح الأحد لرؤية القبر قال الملاك: «لا تخافا! بل أسرعا وقولا لتلاميذه إنّه قام من الموت» (مت 28: 5)، وفيما هما مسرعتان بخوف وفرح لقيهما يسوع وقال لهما: «لا تخافا، بل اذهبا وقولا لإخوتي ليمضوا إلى الجليل وهناك يرونني» (مت 28: 10).

4.إنّ شهداء المقاومة اللبنانيّة الذين نذكرهم اليوم، واستشهدوا في سبيل لبنان فحفظوه وحموه من الزوال يقولون لنا اليوم في ظرفنا العصيب والشديد الخطورة: «لِمَ أنتم خائفون هكذا؟ أين إيمانكم؟» ويدعون الجميع للتشدّد في الإيمان، ولتوحيد المقاومة اللبنانيّة حفاظًا على لبنان الواحد ولحمايته من أي تعدٍّ خارجيّ، ولبناء وحدة شعبه ومكوّناته المتعدّدة.

لا تقتصر المقاومة اللبنانيّة على السلاح دفاعًا عن الوطن وشعبه، بل تشمل بنوع خاصّ الصمود في الوحدة الداخليّة، وفي الولاء الكلّي للبنان-الوطن، وفي التحلّي بالأخلاقيّة والقيم، وفي المحافظة على ميزات دولة لبنان، وفي تعزيز رسالته ونموذجيّته.

5.شهداؤنا يرقدون في ظلّ سيّدة إيليج حيث عاش عددٌ من بطاركتنا شاهدين ومحافظين على كنوزهم الثلاثة: الإيمان والحرّية والاستقلاليّة. وقد بلغوا بها مع خلفائهم إلى إعلان دولة لبنان الكبير في 1 سبتمبر/أيلول 1920، وجعلوا من هذه الثلاثة ميزات لبنان ومنطلق رسالته في هذا الشرق.

إنّ ذكرى بطاركتنا الأبطال تمتزج مع ذكرى شهداء المقاومة اللبنانيّة. فمن هؤلاء البطاركة الذين عاشوا في مقرّ سيّدة إيليج البطريركيّ، لا بدّ من أن نذكر اثنين البطريرك دانيال الحدشيتي الذي تصدّى للمماليك سنة 1300 وقاوم هجومهم على بلاد جبّة بشرّي ببطولة فائقة. فأوقف جيوشهم أمام إهدن أربعين يومًا. ولم يتمكّنوا منه إلّا بعدما أمسكوه بالحيلة. فكتب المؤرّخون: «وكان إمساكه فتحًا عظيمًا، أعظم من افتتاح حصن أو قلعة».

ونذكر معه البطريرك جبرائيل بن حجولا الذي استشهد حرقًا في النار في ساحة طرابلس في عهد المماليك المظلم والظالم.

6.لقد واصل البطاركة مقاومتهم وصمودهم بالإيمان والصلاة والعمل، مشدّدين شعبهم بالإيمان منتزعين من قلوبهم الخوف، على الرغم من كلّ المعاناة والاضطهادات. وراحوا يسعون تدريجيًّا إلى تحقيق مقوّمات وطن مستقلّ يؤمّن للمواطنين العيش فيه بكرامة وحرّية. فبنى كلّ واحد منهم مدماكًا في صرح هذا الوطن حتى تكلّل بإتمام بناء جميل في عهد البطريرك الكبير المكرّم الياس الحويّك. فنذكر على التوالي البطاركة: موسى العكاري الذي بدأت معه مسيرة التطلّع إلى الاستقلال الكامل. وتلاه في النهج نفسه مع إنجازات خاصّة البطاركة الثلاثة من آل الرزي.

وجاء البطريركان يوحنّا مخلوف وجرجس عميرة وتعاونا مع الأمير فخر الدين الثاني الكبير على توحيد البلاد وتحقيق الاستقلال النسبيّ، مع السعي إلى الاستقلال النهائيّ عند نضوج الظروف الدوليّة. كما عاونا الأمير في انفتاحه على الغرب عبر إيطاليا.

وكان المكرّم البطريرك الكبير إسطفان الدويهي الذي رسم خريطة الطريق إلى الاستقلال ماديًّا وروحيًّا وتاريخيًّا، وإلى بناء الدولة العتيدة. لقد كان دوره محوريًّا في مسيرة الموارنة بخاصّة واللبنانيّين بعامّة.

وخلفه البطريرك يوسف إسطفان الذي فتح في عين ورقة تاريخ التربية في لبنان، كما فتح أسلافه تاريخ استقلاله. وقد لُقّبت عين ورقة بـ«أمّ المعاهد في لبنان»، لما أدّت من دور في الحقول الثلاثة: الديني والوطني والثقافي.

وجاء البطريرك يوسف ضرغام الخازن الذي التأم في عهده المجمع اللبناني الشهير في دير سيّدة اللويزة في زوق مصبح 1736 الذي نظّم أوضاع الكنيسة المارونيّة في كلّ جوانبها، فظلّ مرجعها الدائم.

ثمّ جاء البطريرك يوسف حبيش، فامتاز بحسٍّ عالٍ من المسؤوليّة في الأمور الكنسيّة التنظيميّة والروحيّة، وفي الشؤون التربويّة الاجتماعيّة، وفي المجالات السياسيّة والوطنيّة. وفي عهده كانت عاميّة أنطلياس.

المزيد

وخلفه البطريرك بولس مسعد صاحب الدورَيْن الكنسيّ والوطنيّ. وكان دوره المتّصف بالحكمة والصبر تجاه ثورة الفلاحين وحركة يوسف بك كرم والحرب الأهليّة سنة 1860 التي تبعها إقرار نظام لبنان الأساسيّ.

وجاء أخيرًا البطريرك الياس الحويّك الملقّب بـ«عرّاب لبنان الكبير» الذي له الفضل في إعادة الأقضية الأربعة والمدن الساحليّة التي كان قد سلخها عنه الحكم العثمانيّ. وتميّز البطريرك الحويّك بدعوته الدائمة إلى العيش المشترك بين جميع اللبنانيّين، وتعزيز انفتاح الموارنة على محيطهم العربي، وباهتمامه بالموارنة المنتشرين في العالم، وعُرف بنداءاته العديدة للتضامن الاجتماعي ومقاومة أخطار الحرب العالميّة الأولى والمجاعة (راجع كلّ ما جاء عن البطاركة في مقال الدكتور أنطوان نجيم: «مسيرة الكنيسة المارونيّة إلى لبنان الكبير» في كتاب: لبنان الكبير، المئويّة الأولى (للمركز الماروني للتوثيق والأبحاث)، ص 24-76).

وهكذا وضع الأساس لفلسفة لبنان السياسيّة بقوله: الانتماء الى لبنان يكون بالمواطنة لا عبر الدين، وهكذا فصل بين الدين والدولة منذ 1920.

7.كلّ البطاركة الذين توالوا على كرسي أنطاكية وسائر المشرق بعد البطريرك المكرّم الياس الحويّك إلى اليوم، واصلوا السهر على حماية لبنان في جوهر كيانه ودعوته التاريخيّة ورسالته، وباتوا لشعب لبنان علامة رجاء وصمود، وبيت ملاذ.

من هذا المنطلق، نحن نواصل رفع صوتهم من أجل قيام دولة لبنان على أسسها الدستوريّة والميثاقيّة، المؤهلة لتأمين خير جميع اللبنانيّين وكلّ لبناني. واليوم نرفع معكم، أيّها الحاضرون والمشاهدون والسامعون، الصوت عاليًا مطالبين بتشكيل حكومة جديدة قادرة، وبانتخاب رئيس جديد للجمهوريّة قبل نهاية عهد فخامة الرئيس أي قبل الحادي والثلاثين من تشرين الأوّل المقبل، يكون رئيسًا متمكّنًا من كلّ المواصفات التي يُجْمِعُ عليها كلّ اللبنانيّين. ونطالب بحماية القضاء من كلّ تسييس أو مساومة او ارتهانٍ للنافذين ومن أيّ قرار يمسّ بمبادئه الجوهريّة، ونصب أعيننا حماية التحقيق العدلي في جريمة تفجير المرفأ. هذه الحرّية الكبرى في التاريخ.

8.إنّنا نضع هذه الأمنيات في عهدة أمّنا مريم العذراء سيّدة إيليج، متّكلين على صلوات بطاركتنا القديسين، وبحقّ دماء شهدائنا الأبطال. فالله القدير يستجيب صلواتنا ويسمع صراخ شعبنا. له المجد والشكر، الآن وإلى الأبد، آمين.

مهمّتنا هي الحقيقة. انضمّ إلينا!

تبرّعك الشهري سيساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة، بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته