علامة الانتصار في حياة القديسة رفقا

تمثال القديسة رفقا-صورة تمثال القديسة رفقا | Provided by: Ghada Abdo

وُلدت رفقا في 29 يونيو/حزيران سنة 1832، في بلدة حملايا، وهي قرية جميلة من قرى المتن الشمالي قريبة من بكفيّا. ولمّا قبلت سرّ المعمودية المقدّس، دُعيت باسم «بطرسيّة» نظرًا لعيد مار بطرس وبولس. نشّأها والداها على حبّ الله والمثابرة على الصّلاة. تُوفّيَت أمّها وهي لمّا تزل في السّابعة من عمرها، وكانت مولعة بحبّها. أُرسلت إلى الشام كي تعمل كخادمة هناك. وبعد عودتها، كان والدها قد تزوّج للمرّة الثانية. كانت رفقا جميلة الطّلعة، طيّبة المعشر، خفيفة الروح، رخيمة الصوت، تقيّة وديعة. أرادت خالتها، شقيقة أمّها، أن تزوّجها بابنها، وكذلك خالتها زوجة والدها، من شقيقها، ممّا أدّى إلى خصامٍ بينهما، حزنت رفقا نتيجة هذا الواقع، واختارت أن تعتنق الحياة الرّهبانيّة.

ذهبت إلى دير سيّدة النجاة، في بكفيّا، للترهّب في جمعيّة المريمات. ولدى دخولها كنيسة الدير، شعرت بفرح عميق. نظرت إلى أيقونة سيّدة النجاة وسمعت في أعماقها صوت الدّعوة إلى تكريس ذاتها لله. استقبلتها الرئيسة وقبلتها من دون أن تستجوبها. عاشت القدّيسة رفقا حياتها في الرّهبنة، وفق ما تفرضه من أنظمة وقوانين. فكانت مثال التّقشّف والطّاعة والعفّة والصّلاة والعمل، وكانت تجيد الخياطة والتطريز. ومن ثمّ، لم تكن تحبّ أن تستريح من عناء التّعب، بل كانت تعمل وتصلّي بشكل متواصل. وكانت تستغلّ أوقات الفراغ لتتلقّن اللغة العربيّة والخطّ والحساب.

أُرسلت رفقا إلى دير القمر لتلقّن الفتيات التعليم المسيحيّ. وفي تلك الحقبة، عصفت بلبنان الأحداث الأليمة والمخيفة. رأت رفقا بأمِّ العين استشهاد الكثيرين، وتميّزت بالشّجاعة حتّى إنّها حنّت على أحد الأطفال وخبّأته بردائها، فأنقذته من خطر الموت.

ومن المهام التي أوكلت أيضًا إلى رفقا، فهي توجّهت بأمر من الرؤساء إلى مدرسة جمعيّتها في جبيل، وأقامت فيها لمدّة سنة تُعلّم البنات على أسس الإيمان. وبعدها نقلت من مدرسة جبيل إلى قرية معاد، وأقامت هناك مدّة سبع سنوات، أنشأت خلالها مدرسة لتعليم البنات بمساعدة إحدى أخواتها الراهبات. وبينما كانت تقيم في معاد، وعقب أزمة أصابت جمعيّة المريمات، دخلت رفقا إلى كنيسة مار جرجس، وطلبت من الربّ يسوع أن يساعدها على اتّخاذ القرار، سمعت صوتًا يناديها: «إنك تترهّبين». وصَلَّت رفقا حتّى تراءى لها في الحلم مار جرجس ومار سمعان العامودي ومار أنطونيوس الكبير الذي قال لها: «ترهّبي في الرهبنة البلديّة».

أمضت رفقا ستًّا وعشرين سنة في دير مار سمعان القرن-أيطو. ودُعيت باسم رفقا تيمّنًا باسم والدتها. كما اتّخذت مريم العذراء، مثال الأمومة والقداسة، أمًّا لها. ومن ثمّ، غدت رفقا مثالاً حيًّا لأخواتها الراهبات في حفظ القوانين والصلوات والتقشّف والتضحية والعمل الصامت. وقد انحنت بذاتها على أخواتها الرّاهبات لتمنحهن حنان الروح القدس من خلال الكتاب المقدّس. وبعدها، أعطت رفقا في حياتها الرّهبانيّة أفضل ما عندها، أيّ التعزية بالكلام الروحي العذب من خلال اختبارها عذوبة الربّ ونعمة العيش بقربه وله وحده.

وفي التأمّل بنيران الحبّ الإلهيّ الملتهب في كيان رفقا، يستوقفنا ما جرى معها في أحد الورديّة. ولمّا رأت الأخت رفقا أنها بصحّة جيّدة، وأنّها ما مرضت في حياتها كلّها، طلبت من المسيح، قائلة: «يا ربّي، لماذا أنتَ مُتَباعدٌ ومتخلٍّ عنّي لا تفتقدني بمرض، ألعلّك ناسيني، وأنا عبدتك؟ أعطني أن أحمل صليبك وأشاركك في آلامك وأوجاعك!...»

وفي المساء عند الرقاد، شعرت رفقا بوجع مؤلم في رأسها. وكان الوجع يمتدّ فوق عينيها. أُرسِلَت الأخت رفقا بأمر من الرئيسة إلى بيروت من أجل معالجتها. ويُقال إنها عند وصولها إلى جبيل، عرّجت على أنطش الرهبانيّة اللبنانيّة. استُدعي لمعاينتها طبيبٌ أميركي، فأمر بإجراء عمليّة سريعة لعينِها اليمنى، لم تقبل بالبنج لتُخفّف ألمها، ومن دون قصد، اقتلع الطبيب عينها بكاملها، ولم تجب إلّا بكلمة الشكر، محتملة آلام عينها مع آلام المسيح.

وعادت إلى الدير، وبعد مدّة، أصابها العمى الكامل وتفكّكت عظامها وأصبحت كسيحة حتى إن عظام وركها كانت تجرح رقبتها. وقد اضطرت أخواتها الراهبات لنقلها على شرشف. وكان جلدها يلتصق بالشرشف، ولم يبق منها إلّا ابتسامتها وتحريك مفاصل يديها. أحبّت أن تحمل صليب الآلام والأوجاع، لتشارك عريسها السماويّ يسوع المسيح في حمل صليب الفداء والخلاص.

رفقا، يا من كنتِ خيرَ أمّ على هذه الأرض، تعلّمين كلمة المسيح، صلّي معنا، كي نشعّ محبّة وعطفًا وحنانًا ورفقًا ووداعة، في عالمنا الذي يفتقد إلى الإنسانيّة وجذريّة الحياة المسيحيّة الحقيقيّة. ومن ثمّ، ساعدينا كي نتعلّم على مثالك كيفيّة حمل صليب أوجاعنا بفرح، ونحن نردّد معك، ومن دون توقّف، قائلين: «لمجد آلامك المقدّسة أيّها المسيح».

مهمّتنا هي الحقيقة. انضمّ إلينا!

تبرّعك الشهري سيساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة، بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته