هل يعزف الشباب اليوم عن التزام الحياة الرهبانيّة؟

الرهبانيّات العاملة وتضاؤل أعداد المكرَّسين الرهبانيّات العاملة وتضاؤل أعداد المكرَّسين | مصدر الصورة: Gregorietta Florena/Pinterest

نلمس اليوم تضاؤلًا واضحًا في أعداد المُقبلين على تكريس ذواتهم في أنماط الحياة المكرَّسة عمومًا، سواء في الحياة الديريّة، رجاليّةً ونسائيّة، أم الكهنوت. ويَطرح تضاؤل الدعوات الجديدة، بل انعدامها، تساؤلاتٍ محيّرة عن الأسباب.

لا يرى الأنبا د. سامر صوريشو الراهب، الرئيس العام للرهبنة الأنطونيّة الهرمزديّة الكلدانيّة الأمر مقتصرًا على رهبانيّة بعينها، بل «تؤكّد لقاءاتنا وقراءتنا الإحصائيّات العالميّة، معاناةً مشابهة لدى الرهبانيّات العالميّة». وعَدَّ في حديثه عبر «آسي مينا» تضاؤل الدعوات مسألةً أعمق من أن تكون ظرفيّة أو تقنيّة. هي «أزمة متعلّقة ببُنية حياة الجماعات المسيحيّة والكنسيّة اليوم، وثقافتها وروحانيّتها. بل نحن أمام أزمة معنى، وبحسب علم النفس، فإنّ حاجة الإنسان إلى معنى أساسيّةٌ لبقائه حيًّا، فالإنسان بلا معنى لا وجود له».

الرئيس العامّ للرهبنة الأنطونيّة الهرمزديّة الكلدانيّة الأنبا سامر صوريشو. مصدر الصورة: الأنبا سامر صوريشو
الرئيس العامّ للرهبنة الأنطونيّة الهرمزديّة الكلدانيّة الأنبا سامر صوريشو. مصدر الصورة: الأنبا سامر صوريشو

استشراء الاستهلاكيّة

ولفت إلى انعكاس النظرة السلعويّة الاستهلاكيّة المستشرية اليوم على حياة البشر عمومًا، «فنلاحظ غياب أيّ سلعة معمِّرة، في مقابل تحديثٍ سنويّ للهواتف والسيارات وسواها، ما يحفّز رغبة الإنسان في التغيير وينعكس على أفكاره وعلاقاته، وغدا يستصعب الالتزام على المدى الطويل». وأبرَزَ خطورة فقدان التوازن العمريّ داخل الجماعة الرهبانيّة ومعاناتها الشيخوخة. «فالرهبنات التي كانت تتباهى بازدياد أعداد أديار الابتداء، تفتقدها اليوم، وإنْ وجدت، يُعدّ المبتدئون فيها على أصابع اليد الواحدة. وصار حديث تزايد الأعداد اليوم يتناول أديار الرهبان والراهبات المسنّين والمسنّات».

وأضاف: «تنقص الأعداد أيضًا بسبب انسحاب مبتدئين عدّة، في خلال سنوات التنشئة، قبل بلوغ مرحلة النذور المؤبّدة، واختيار كثيرٍ من الدعوات الناضجة والبالغة مرحلة الكهنوت، ترك نمط الحياة الديريّة المشتركة والخدمة ككهنة في الرعايا حيت تتاح لهم فسحة أكبر لاكتشاف معنى خدمتهم ضمن الجماعة».

تواجه الرهبانيّات على مستوى العالم التحدّي عينه، بدرجات متفاوتة، إذ يُقبل الشباب، من كلا الجنسين، على الرهبانيّات التأمليّة السكوتيّة في الدول الغربيّة، رغم تحدّيات الحداثة، إلى جانب تميّز الإقبال الرهبانيّ في الهند والدول الإفريقيّة، بحسب صوريشو.

معوقات اكتشاف الدعوة

إزاء واقع الحياة الضاغط وبخاصّةٍ في بلادنا المشرقيّة حيث تتوالى الحروب ويغيب الأمان والاستقرار الاقتصاديّ والمستقبل المُطَمْئن، تهاجر العائلات فتضع أبناءها أمام التزامات هائلة تجاه الأهل، وتحدّ حرّيّة اكتشاف الدعوة واختيار التزامها. أسِف صوريشو لغياب تشجيع الأهل ودعمهم أبناءهم الذين يستشعرون لديهم دعوةً إلى التكريس، وإحباطهم بذكر التجارب السلبيّة للكهنة والأديرة التي خلت من رهبانها.

أفرز تخلخل أخلاق المجتمعات وثوابتها عالميًّا تحوّلًا في نمط تفكير الإنسان جعل التزام مسؤوليّة طويلة الأمد، حتّى الموت، صعبًا ومخيفًا. وختم صوريشو: «اليوم، لا يهدّد بروز ثقافة الخيارات المفتوحة المتعدّدة واستسهال الانسحاب الالتزامَ الرهبانيّ فقط، بل الحياة الزوجيّة أيضًا، ولا تكمن المشكلة الأساسيّة في الخوف من قساوة الحياة الرهبانيّة، بل في مخالفة نمط الحياة الرهبانيّة ثقافة هذا العصر».

رسالتنا الحقيقة. انضمّ إلينا!

تبرّعك الشهري يساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته