هل يُواجه مسيحيّو العراق خطر «داعش» مجدّدًا؟

الحدود العراقيّة-السوريّة الحدود العراقيّة-السوريّة | مصدر الصورة: المرصد السوري لحقوق الإنسان

لا يُخفي مسيحيّو العراق مخاوفهم من تجدُّد الخطر «الداعشيّ»، لا سيّما مع تسارع التطوّرات في الأراضي السوريّة المحاذية للحدود العراقيّة، وشروع القوّات الأميركيّة في نقل آلافٍ من إرهابيّي «داعش» المعتقلين في سجونٍ بشمال شرق سوريا إلى موقع آمن في العراق، في خطوةٍ عدّتها الحكومة العراقيّة «استباقيّة للدفاع عن الأمن القوميّ العراقيّ».

وإزاء «الأخبار غير المطمئنة في منطقة الشرق الأوسط... وما تشهده من صراعاتٍ وعسكرة واستقطاب»، وجّه البطريرك الكلدانيّ الكاردينال لويس روفائيل ساكو نداءً للسلام، داعيًا إلى اتّخاذ تدابير ملموسة تعزِّز الوئام وتُجنّب بلدان المنطقة الويلات.

ساكو يدعو إلى السلام في الشرق الأوسط. مصدر الصورة: موقع البطريركيّة الكلدانيّة
ساكو يدعو إلى السلام في الشرق الأوسط. مصدر الصورة: موقع البطريركيّة الكلدانيّة

ودعا ساكو عبر موقع البطريركيّة الأممَ المتّحدة إلى تحمّل مسؤوليّتها في التصدّي للنزاعات وتحقيق السلام عبر الحوار، صونًا لسيادة البلدان وحقوق مواطنيها. وخاطبَ الحكومات المحلّيّة، مشدِّدًا على أهمّيّة إجراء قراءة معمّقة للواقع وضرورة اضطلاعها بمسؤوليّتها «التاريخيّة والأخلاقيّة» إزاء حماية الوطن وتوفير الحرّيّة والكرامة والحياة الكريمة لمواطنيها.

وتطرّق النداء إلى الشأن العراقيّ أيضًا، إذ رأى ساكو أنّ الوقت حان «للإصلاح والخروج من الشعارات إلى الأفعال، وحصر السلاح بِيَد الدولة، ومواجهة الفساد بحزم»، عبر اعتماد المواطنة والكفاية لبناء الدولة واتّباع سياسة أخلاقيّة. وفيما عدَّ الديانة شأنًا شخصيًّا، حضَّ الحكومة على المساواة بين مواطنيها واحترام التنوّع الدينيّ والإثنيّ واحتضانه كونه مصدر غنى، ودعاها إلى السعي لتغيير الخطاب في الإعلام والمساجد والكنائس. 

«ما أشبه اليوم بالبارحة»

على الصعيد نفسه، أعرب المطران بشّار متّي وردة، راعي إيبارشيّة أربيل الكلدانيّة، عن خشيته من اتّساع دائرة العنف المتجدِّد في سوريا خارج جغرافيّتها، «فتاريخ المنطقة يُعلِّمنا أنّ النار لا تعترف بالحدود، وسرعان ما تتحوّل شرارتها إلى قلقٍ وخوف يسكن بيوت المشرق كلّه».

المطران بشّار متّي وردة. مصدر الصورة: إيبارشيّة أربيل الكلدانيّة
المطران بشّار متّي وردة. مصدر الصورة: إيبارشيّة أربيل الكلدانيّة

وقال في حديثه عبر «آسي مينا» إنّ العائلات السوريّة، ومثلها العراقيّة، تبتغي العيش بسلام، وعودة العنف ستُخلِّف قلوبًا خائفة متسائلة عن أمان العائلة وسلامة الأولاد وانهيار ما بُني في سنين. وبيَّنَ أنّ خوفَ مدنيّين لم تلتئم جراحهم بعد، ليس ضعفًا، بل ذاكرة تعرف ثمن الانفلات وتخشى تكرار المأساة. «اختبرنا منذ العام 2003 سنوات ألمٍ ورجاء، وعرفنا أنّ العنف يبدأ في بقعةٍ ثمّ يتمدّد في النفوس، ليصبح صراعًا هويّاتيّ يغذّي الانقسام الطائفيّ. وما أشبه اليوم بالبارحة».

ونبَّه إلى خطر انهيار الثقة، «فشعوب الشرق الأوسط عمومًا لا تنزف دماءها فقط، بل ثقتها بقدرة أوطانها على حمايتها، وثقة شبابها بمستقبلٍ ممكنٍ فيها، ما يُطلِق مسارات هجرةٍ داخليّة وخارجيّة بحثًا عن الكرامة والأمان، لا ابتغاء الرفاهية». 

وأشار إلى خبرة العنف والصراع الطائفيّ والتطرّف التي عاشها مسيحيّو العراق، قائلًا: «لم يكُن رحيل ثلثَيهم إثرها خيارًا حرًّا، بل نتيجة شعور عميق بأنّ الأرض لم تعد قادرة على احتضان أبنائها. وأحداث سوريا اليوم تؤجّج مخاوف ارتهان حياة المدنيّين جميعًا بيَد السلاح، وليس المسيحيّين فقط».

وأبرَزَ أنّهم، رغم القلق، متمسّكون بالرجاء، لا إنكارًا، بل إصرارًا على أحقّيّة هذه الأرض بمستقبل أفضل، ويقينًا أنّ أقوى مقاومة للعنف هي التمسّك بالإنسان والعيش المشترك والحوار المتعقّل الرافض التحريض والباني الجسور. «فالعنف المفتقِر إلى الحكمة، وإنْ بدا اليوم في أضيق الحدود، سيصير غدًا مأساة أوسع، نعرف جميعنا ثمنها».

رسالتنا الحقيقة. انضمّ إلينا!

تبرّعك الشهري يساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته