في مملكة الحضر… دلائل آثاريّة على حضور المسيحيّة

آثار الحضر آثار الحضر | مصدر الصورة: موقع اليونسكو

يؤكّد التقليد الكتابيّ أنّ الرسول توما كان أوّل مَن بشَّر بلاد المشرق، بمعاونة تلميذَيه أدّاي وماري السبعين.

يستند بعض الباحثين إلى سفر أعمال الرسل ليؤكّدوا أنّ المسيحيّة وصلت بلاد ما بين النهرين في مرحلةٍ مبكّرة جدًّا، حين حمل «فَرْتِيُّونَ وَمَادِيُّونَ وَعِيلامِيُّونَ، وَالسَّاكِنُونَ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ...» كانوا حاضرين في أورشليم يوم العنصرة، البشارةَ السارّة إلى أوطناهم. في بلاد ما بين النهرين، نشأت مملكة الحضر وازدهرت في القرون المسيحيّة الأولى، واشتهرت ببنائها المهيب وعمارتها الحجريّة المنقوشة الماثلة آثارها اليوم جنوب غربيّ الموصل، مركز محافظة نينوى العراقيّة، على مسافة تقارب 100 كيلومتر، لا سيّما تماثيلها المُزَيَّنة غالبًا بكتابات آراميّة. وقد دفعت فرادتها اليونسكو إلى إدراجها ضمن لائحة التراث العالمي في العام 1985.

ازدهرت المملكة اقتصاديًّا، مستثمرةً موقعها المتميّز وسط بادية الجزيرة بين دجلة والفرات، على الطريق التجاريّ الرابط بين الإمبراطوريّة الرومانيّة غربًا والفرثيّة شرقًا، وفق الآثاريّ حكمت بشير الأسود. وكان لها حضورها السياسيّ المؤثّر وقوّتها العسكريّة أيضًا، حتّى سقوطها على يد الملك الساسانيّ شابور الأوّل في العام 241م. «ورد اسمها في الكتابات الآراميّة بصيغة (حَطرا)، ودوّنه العرب أيضًا بالصيغة عينها، وجاء في المصادر الإسلاميّة بصيغة (الحظَر) أي المكان المحظور فيه تناول ما لا يليق بقدسيّته، وسمّتها المصادر الأجنبيّة (Hatra)».

آثار الحضر. مصدر الصورة: موقع متحف الموصل الحضاري
آثار الحضر. مصدر الصورة: موقع متحف الموصل الحضاري

الحضر المسيحيّة

من اللافت أنّ التنقيبات التي شهدها موقع الحضر الآثاريّ أواسط القرن العشرين أبرزَت دلائل تشير إلى انتشار المسيحيّة فيها، إذ عُثِر بالقرب من معبدها الكبير على لوح رخاميّ أبعاده بالسنتمترات: (24205)، محفوظ في المتحف العراقي بالرقم (73097) وهو يحمل صليبًا منمَّقًا يحيطه نقش سرياني بالخط الإسطرنجيلي.

لوح رخاميّ يحمل صليبًا محفورًا اكتشف في الحضر. مصدر الصورة: بحث منشور للآثاري حكمت بشير الأسود
لوح رخاميّ يحمل صليبًا محفورًا اكتشف في الحضر. مصدر الصورة: بحث منشور للآثاري حكمت بشير الأسود

يتعامَد خطّا الصليب المحفوران على الرخام وتتّسع نهايتهما لتشكّل مثلّثَين متقابلَين. وعلى جانبي الصليب نُقِشت هذه الكلمات باللغة السريانيّة: «شيمونا بَر سَهدا- شيمونا ابن الشهيد». يستقرّ الصليب على قاعدة مستطيلة تضمّ خطوطًا متعاكسة يفصل بينها خطٌّ عموديّ، فيما يبرز من زاويتَي المستطيل العلويَّتَين خطّان أشبه بتدفّق ماءٍ إلى الأعلى، وفقًا لوصف البروفيسور أمير حرّاق. وأشار حرّاق أيضًا إلى وجود صلبانٍ عدّة بأشكالٍ متنوّعة واضحة للعيان محفورة على حجارة أبنية الحضر، تُعرَف بـ«علامات البنّائين» تركها النحّاتون المسيحيّون.

جدير بالذكر أنّ كتاب شرائع البلدان لبرديصان أورد دليلًا آخر على الحضور المسيحيّ في الحَضَر، حين قال: «فلا الإخوة في بلاد الفرثيّين يتّخدون امرأتين، ولا الذين في بلاد فارس يتزوّجون بناتهم... ولا الذين في حَطْرا (الحضر) يرجمون السرّاق. بل حيثما كانوا، لا تبعدهم شرائع البلدان عن شرائع مسيحهم، ولا يرغمهم قدر المدبرين على استخدام أمور تعتبر نجسة لديهم».

آثار الحضر. مصدر الصورة: موقع متحف الموصل الحضاري
آثار الحضر. مصدر الصورة: موقع متحف الموصل الحضاري

رسالتنا الحقيقة. انضمّ إلينا!

تبرّعك الشهري يساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته