بيروت, الجمعة 9 يناير، 2026
لا تزال أخبارُ زيارة كاهن ومنسّق موسيقيّ (دي جاي) للبنان تُثير جدلًا واسعًا، بين مرحّبين بالحدث ومعارضين له، كلٌّ لأسبابه. ومن أبرز عناصر هذا الجدل أنّ ما يقدّمه هذا الكاهن يُعدّ غير مألوف في المخيال التقليديّ لدور الكاهن. غير أنّ «اللامألوف» لم يكن يومًا غريبًا عن تاريخ الكنيسة، إذ عرفنا عبر العصور كهنة وقدّيسين مارسوا أدوارًا وأعمالًا بدت في زمنهم صادمة أو غير متوقّعة، لكنها كانت في جوهرها وسائل جديدة للوصول إلى الإنسان حيث هو.
أحد أبرز الأمثلة على ذلك هو القدّيس يوحنّا بوسكو الذي مارس أعمالًا يدويّة متعدّدة في شبابه: كان نجّارًا، وطاهيًا، وصانع حلويات، وفلّاحًا. لاحقًا، كرّس حياته للتربية والتعليم، لكنّ هذا لم يمنعه من الاحتفاظ بهوايةٍ غير مألوفة. كان يذهب إلى السيرك والمهرجانات والأسواق الشعبيّة ويراقب المهرّجين ويتعلّم بعض الحيل، أو يقنع المؤدّين بكشف أسرار مهنتهم. وبعد إتقانها، كان يقدّم عروضًا سحريّة مجّانيّة لأطفال القرية، مستغلًّا الفرصة كي يعيد أمامهم عظة الأحد التي سمعها في الكنيسة.
وعندما أصبح دون بوسكو كاهنًا، كرّس نفسه لخدمة الأطفال والشباب، ولا سيّما الأكثر فقرًا وتهميشًا. لكنّ هؤلاء لم يكونوا مهتمّين بالأسرار ولا بالمواعظ الروحيّة. عندها، تذكَّر الكاهن هواياته: السحر والألعاب والمشاهد البهلوانيّة. استخدم خفّة اليد ليُخرج قطعًا نقديّة من الآذان، ويُحوّل الحجر إلى حلوى، ويتقن التلاعب بالكرات والصحون، والمشي على الحبل، والحركات البهلوانيّة، ليجذب الأطفال ويكسب ثقتهم. ربّما عدّه كثيرون في زمنه كاهنًا غير جدّي، لكنّ التاريخ أثبت أنّه كان يعرف تمامًا ما يفعله، وأنّ الوسيلة غير التقليديّة كانت مفتاحًا لرسالة تربويّة وروحيّة عميقة.
وفي سياقٍ أقرب إلى زمننا، رحّبت الكنيسة الكاثوليكيّة أخيرًا بقدّيسٍ جديد كان مصمّم مواقع إلكترونيّة، وهو أمر قد يبدو غير نمطيّ في المخيال التقليديّ للقداسة، لكنّه يعكس بوضوح قدرة الإيمان على العبور إلى العصر الرقميّ. إنّه القديس كارلو أكوتيس الذي استخدم مهاراته في تصميم المواقع لنشر الإيمان وتوثيق معجزات القربان المقدّس، فصار رمزًا لقداسة تعيش في قلب التكنولوجيا لا على هامشها.
