إنسان ما بعد الإنسانيّة... نسخة محدَّثة أم ممسوخة؟

إنسان ما بعد الإنسانيّة... نسخة محدَّثة أم ممسوخة؟ إنسان ما بعد الإنسانيّة... نسخة محدَّثة أم ممسوخة؟ | مصدر الصورة: Aleksandra Suzi/Shutterstock

يتداول عددٌ من وسائل الإعلام والتواصل أخبارًا عن نتائج مبهرة لزراعة شريحةٍ إلكترونيّة في دماغ هذا أو ذاك من البشر، فاكتسبوا قدراتٍ كانوا يفتقدونها، وسَمِعَ أصمّ ومشى مقعد، مع تأكيد صانعيها ومروّجيها أنّ استخدام الشرائح الدماغيّة سيُصبح قاعدة شائعة في المستقبل.

فهل يؤدّي شيوع استخدام تقنيّات ما بعد الإنسانيّة إلى جعلها إلزاميّة؟ أم أنّ علينا، أفرادًا وجماعات، تأمّل دواخلنا لنتيقَّن أنّها ليست حتميّة، وأنّها لن تُفرَض علينا دون موافقتنا؟

بيَّنَ المطران د. يوسف توما، راعي أبرشيّة كركوك والسليمانيّة الكلدانيّة، في حديثه عبر «آسي مينا»، أنّ التكنولوجيا، بوصفها نتاجًا بشريًّا، قادرةٌ على خدمة الصحّة والحرّيّة عندما تسترشد بالأخلاق وتتقيّد بقِيَمٍ وأولويّات ما زال زمامها في أيدينا، مراعية تكافؤ فرص المستفيدين.

المطران د. يوسف توما. مصدر الصورة: صفحة أبرشيّة كركوك والسليمانيّة في فيسبوك
المطران د. يوسف توما. مصدر الصورة: صفحة أبرشيّة كركوك والسليمانيّة في فيسبوك

وإذ لم تعد فكرة «ما بعد الإنسانيّة» بعيدةً إزاء استثماراتٍ ضخمة ونتائج واقعيّة مبهرة، لا بُدّ من البحث في مخاطرها الاجتماعيّة والنفسيّة وتحدّياتها المُلِحّة، وبخاصّةٍ التساؤل عن واضعي قواعد لعبتها والقِوى التي تُقِرّها وتشكِّلها وتدعمها، أو تعوقها، سواء أكانت سياسيّة أم استثماريّة أم غير ذلك، بحسب توما.

وأضاف: «قد يكتشف من يعتقد أنّ التقدّم التكنولوجيّ مجرّد نتيجة حتميّة للتطوّر البشريّ، ما قد يُغيّر رأيه حين يُدرك أنّ العلم والطبّ ليسا وحدهما على المحكّ، بل هاجس السيطرة وامتلاك الحقّ في التغيير والتحسين، بل حتّى إعادة ابتكار معنى أن تكون إنسانًا».

يعتقد توما أنّ ثمّة مصالح اقتصاديّة هائلة تواكب مسار ثورة «ما بعد الإنسانيّة» منذ بداية أبحاثها، وتتّحد شركات التكنولوجيا العملاقة وصناديق الاستثمار والمؤسّسات الأكاديميّة والحكومات في شبكةٍ مُعقّدةٍ من النفوذ وصنع القرار، «حيث يُحسَب كلّ تقدّمٍ بدقّة لضمان أقصى عائدٍ، سواء كان ماليًّا أم سياسيًّا أم اجتماعيًّا».

إزاء ذلك، غالبًا ما ينقسم المجتمع العلميّ، الحارس الأخلاقيّ المفتَرَض للتقدّم: فالمتحمّسون يدافعون عن حتميّة التقدّم وخيره، والمتشكّكون قلقون بشأن عواقبه الأخلاقيّة والاجتماعيّة، ويحذّرون من أخطار حصان ما بعد الإنسانيّة الجامح، داعين إلى لجمه بلوائح صارمة.

رأى توما أنّ أحلام الإنسانيّة المُعزَّزة قد تصبح كابوسًا مُرعبًا لكلّ المتسرّعين الراغبين في قهر المستحيل دون إدراك الثمن الحقيقيّ الواجب دفعه. «يبرز دور الأخلاق هنا، رغم ما تواجهه من تجاهلٍ وضغوط مُستمرّة من الجهات المتنَفِّذة المستفيدة، للحدّ من معاناة بشَرٍ قد يفقدون جوهر بشرِّيتهم إذا ما استيقظوا يومًا ليجدوا قوًى خفيّة تراقب عقولهم وأجسادهم وتعدِّلها وتتلاعب بها».

ختم توما مؤكِّدًا تشديد الكنيسة على مراعاة التفكير الأخلاقيّ في التقنيّات الهادفة إلى تحسين حياة البشر، وآليّات استخدامها عبر مراعاة تكامل الرفاهية والروحانيّة، لئلا تحجب أضواء الصحّة المثاليّة والقدرات العقليّة المتنامية، تهديدات انعدام المساواة وفقدان الجوهر الإنسانيّ والعبوديّة الجديدة.

رسالتنا الحقيقة. انضمّ إلينا!

تبرّعك الشهري يساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته