هل نصغي إلى الصوت الصارخ في البرّية؟

يوحنّا المعمدان الصارخ في البرّيّة يوحنّا المعمدان الصارخ في البرّيّة | مصدر الصورة:ويكيميديا كومونز

يُخبرنا إنجيل لوقا أنّ يوحنّا «جاءَ إِلى الكُورَةِ المُحِيطَةِ بِالأُردُنِّ يَكْرِزُ بِمَعمُودِيَّةِ التَّوبَةِ لِمَغفِرَةِ الخَطايا، كَمَا هُوَ مَكتُوبٌ فِي سِفْرِ أقوَالِ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ القَائِلِ: صَوْتُ صَارِخٍ فِي البَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصنَعُوا سُبُلَهُ مُستَقِيمَةً». فكيف يعلو هذا الصوت العجيب في الكنيسة من البرّية، خارج المنابر الرسميّة والمدن المزدحمة؟

كأنّ الله يتعمّد أن يتكلّم من المكان الذي نعتبره فارغًا وعديم الجدوى، حيث لا زينة ولا أضواء ولا جمهور يصفّق، هناك يبدأ خلاص جديد، كما شرح المطران بشّار وردة، راعي إيبارشيّة أربيل الكلدانيّة، في حديثه عبر «آسي مينا». وأوضح أنّ البرّية في الكتاب المُقدّس هي حالةٌ روحيّة، مكانٌ يَقلُّ فيه كلّ شيء، فيضطرّ القلب إلى مواجهة نفسه وسماع ما كان يهرب منه. «يختار الله البرّية، لأنّ الإنسان فيها لا يملك إلا أذنيه وقلبه. فهنا لا ضجيج ولا أضواء لنتشاغل بها، هنا الصمتُ يُعرّي الحقيقة، فتسأل نفسَك: مَن أنا حقًّا؟ عمَّ أبحث؟ على مَن أتّكِل؟».

المطران بشّار وردة، رئيس أساقفة إيبارشيّة أربيل الكلدانيّة. مصدر الصورة: عون الكنيسة المتألّمة
المطران بشّار وردة، رئيس أساقفة إيبارشيّة أربيل الكلدانيّة. مصدر الصورة: عون الكنيسة المتألّمة

الربّ قريب

وأكّد وردة أنّ الله قريبٌ منّا أكثر ممّا نتصوّر، والدعوة: «أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ» لا تعني أنّه بعيد ويحتاج إلى طريقٍ ليصل، بل أنّ قلوبنا مزدحمة، ونحتاج أن نفسح مكانًا للربّ فيها، ونخلي الطرق المؤدّية إليها من حجارة الكبرياء والحسد والغيرة والخوف، ونهيّئ طريقًا لا تضيّقه عادات تُخدّر الروح، أو جراحٌ تؤلمها.

وتابع: «لا يقصد النبيّ جغرافيا الصحاري بقوله: "اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً"، بل تضاريس القلب المعوجّة، حيث مرتفعات الأنا المنتفخ يجب أن تنخفض، ووديان الإحباط يجب أن ترتفع بالرجاء، ومنعطفات الازدواجيّة تلوذ بالاستقامة».

لنمهّد قطعةً من طريق الربّ!

يدعونا إلهنا إلى إصلاح ذواتنا لنكون أهلًا لإصلاح عالمنا، أن نبدأ دائمًا من القلب، فنجعله جسرًا لخلاص آخرين. الصوت الصارخ في البرّية يدعونا إلى ترتيب الداخل قبل الخارج، أن نسمح لكلمة الله أن تنقّي أفكارنا، وتنطق عبر كلامنا، وتنعكس في نظرتنا إلى أنفسنا والآخرين، «وكلما فضّلنا الوداعة بدل العنف، والصفح عِوَض الانتقام، والصدق بدل التلوّن، نكون قد مهّدنا قطعةً من طريق الربّ في هذا العالم».

وخلص وردة إلى القول: «البرّية ليست مكانًا جغرافيًّا وحسب، بل يمكن أن تكون مرحلةً في حياة جميعنا، حين تستشعر جفافًا في الصلاة، فراغًا، تعبًا من الناس، أو إحساسًا بالمراوحة في المكان عينه. فتظنّ حينئذٍ أنّ الله بعيد، بينما هو ينتظرك هناك تحديدًا. لا يلتفّ حول صحرائك، بل يدخلها معك، فيتحوّل جفافك إلى مكان لقاء، إن قبلت أن تصغي لا أن تهرب. فالبرّية ليست عقابًا، بل مدرسة تربية على الثقة».

رسالتنا الحقيقة. انضمّ إلينا!

تبرّعك الشهري يساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته