ميلادٌ يُلهم الفنّ في مصر… رحلة روحيّة في سوق الفسطاط

غاليري «هولي آرت» في سوق الفسطاط - القاهرة غاليري «هولي آرت» في سوق الفسطاط - القاهرة | مصدر الصورة: سهيل لاوند/آسي مينا

عيد ميلاد السيّد المسيح ليس حدثًا دينيًّا فحسب، بل لحظة إلهام عابرة للزمن، تتجسّد في الفنّ كما في الإيمان. من قلب القاهرة القديمة، وفي جوار مجمع الأديان، تفتح الفنّانة التشكيليّة دوريس حنا دوس نافذةً روحيّة على الميلاد، عبر أعمال فنّية تستحضر الذاكرة المقدّسة لمصر.

تروي دوس، صاحبة غاليري «هولي آرت» في سوق الفسطاط، أحد أهمّ مراكز الصناعات اليدويّة والتراثيّة في مصر، أنّ افتتاحها الغاليري قبل نحو ستّ سنوات جاء بدافع الرغبة في التميّز عن نحو 40 متجرًا آخر في السوق، إذ أرادت له هويّة مختلفة، هويّة روحيّة. من هنا جاءت التسمية التي تعكس مضمون المكان وأعماله.

توضح دوس عبر «آسي مينا» أنّ «هولي آرت» يضم أعمالًا فنّية دينيّة لا تقتصر على حقبة واحدة، بل تمتدّ من مصر القديمة، مرورًا بالفن القبطيّ ثم الإسلاميّ، وصولًا إلى الفنّ الحديث. وتشير إلى أنّ توجّهها الفنّي يسير في اتّجاهين: معاصر يُتيح لها حرّية الإبداع انطلاقًا من خيالها، واتّجاه آخَر يقوم على «الريبليكا» أو الاستنساخ الدقيق للأثر، للخروج بقطعة طبق الأصل، لا سيّما للأعمال المسيحيّة المحفوظة في المتاحف أو الكنائس، من أيقونات ومخطوطات البردي ورسومات خزفيّة وغيرها.

وتشرح طبيعة الفنّ القبطيّ بوصفه تلقائيًّا وبسيطًا، يُصنَّف على أنّه فنّ شعبيّ نشأ من تعبير المصريّين الأوائل عن فرحهم بدخول المسيحيّة. لم يكن فنًّا أكاديميًّا ملتزمًا مدارس صارمة، بل مساحة مفتوحة لكلّ شخص يريد التعبير عمّا يشعر به، وهو ما يُفسّر بدائيّة بعض الرسوم أو عدم دقّة النِسَب في الأيقونات.

نسخة طبق الأصل من صفحة مخطوط يُصوِّر ميلاد المسيح، في غاليري «هولي آرت». مصدر الصورة: سهيل لاوند/آسي مينا
نسخة طبق الأصل من صفحة مخطوط يُصوِّر ميلاد المسيح، في غاليري «هولي آرت». مصدر الصورة: سهيل لاوند/آسي مينا

وتتوقّف الفنّانة عند قطعتَين بارزتَين في الغاليري من أعمالها: الأولى، مستنسخ طبق الأصل لصفحة من كتاب مخطوط، تُصوِّر ميلاد السيّد المسيح بتفاصيلها الأصلية، بما في ذلك التقطيع في يسار الصفحة واختفاء الكلمات الأخيرة من الآية أسفل المخطوطة. وتشير إلى دلالة لون ثوب العذراء الأخضر في المخطوطة، وهو لون لم يكن شائعًا آنذاك، لكنّه كان يرمز لدى المصريّ القديم إلى «الرزق والخير»، فارتدَتْهُ العذراء لأنّ المصريّ المسيحيّ رأى أنّها حملت الخير إلى العالم بولادتها المسيح.

نسخة طبق الأصل من أيقونة دخول العائلة المقدّسة إلى مصر، في غاليري «هولي آرت». مصدر الصورة: سهيل لاوند/آسي مينا
نسخة طبق الأصل من أيقونة دخول العائلة المقدّسة إلى مصر، في غاليري «هولي آرت». مصدر الصورة: سهيل لاوند/آسي مينا

أمّا القطعة الثانية فهي أيقونة دخول العائلة المقدّسة إلى مصر، والموجودة في الكنيسة المعلقة. وتشرح أنّ اتّجاه الحركة في الأيقونة يُحدِّد ما إذا كانت العائلة داخلة إلى مصر أو خارجة منها. هذه الأيقونة الشهيرة، المستنسخة من أيقونة كبرى، تحكي مراحل حياة السيّدة العذراء، وقد رسمت دوس نسخة طبق الأصل منها قبل ترميمها، وقدّمت واحدة منها (مع القطعة الأولى التي تمثّل الميلاد) هديّة إلى بابا الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة تواضروس الثاني الذي أُعجِب بها وأعرب لها عن رغبته في إهدائها إلى بابا الفاتيكان.

رسالتنا الحقيقة. انضمّ إلينا!

تبرّعك الشهري يساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته