مجمع الكرادلة في تغيّر دائم... ما شكل الكونكلاف المقبل؟

مجمع الكرادلة يحتفل بالذبيحة الإلهيّة في مارس/آذار 2013 قبل الدخول إلى كنيسة سيستينا الفاتيكانيّة من أجل الكونكلاف الذي أدّى إلى انتخاب البابا فرنسيس مجمع الكرادلة يحتفل بالذبيحة الإلهيّة في مارس/آذار 2013 قبل الدخول إلى كنيسة سيستينا الفاتيكانيّة من أجل الكونكلاف الذي أدّى إلى انتخاب البابا فرنسيس | مصدر الصورة: وكالة الأنباء الكاثوليكية

في 24 فبراير/شباط، تغيّر مجمع الكرادلة من جديد. إذ بلغ الكاردينال خوسيه لويس لاكونزا مايستروخوان من العمر 80 عامًا. فحُذِف اسمه من قائمة الكرادلة الناخبين للبابا المقبل. وقبل ذلك بأيّام عدّة، في 12 فبراير/شباط، وصل الكاردينال بيدرو ريكاردو باريتو خيمينو إلى عتبة الـ80 عامًا أيضًا ولم يعد مؤهّلًا للإدلاء بصوته في الكونكلاف المقبل.

يمكن حصرًا للكرادلة الذين لم يبلغوا هذه السنّ بعد أن يصوّتوا في الكونكلاف، أي المجمع المغلق الذي ينتخب البابا. ويصل حاليًّا عدد الكرادلة المؤهّلين للتصويت في الكونكلاف إلى 129 عضوًا. وفي ذلك زيادة بواقع تسعة أعضاء على ما يجب أن يكون الحد الأقصى وفق ما حدّد البابا بولس السادس ووافق عليه جميع خلفائه، أي 120 عضوًا.

ثلاثة بابوات وكونسيستوارات عدّة

في 11 عامًا من حبريته، عقد البابا فرنسيس 9 كونسيستوارات لتعيين كرادلة جدد، وهي الرتبة التي يمنح فيها الأب الأقدس لقب كاردينال لشخص ما. في هذه الكونسيستوارات، عيّن الحبر الأعظم 142 كاردينالًا من 70 دولة، بمن فيهم 113 ناخبًا و29 غير ناخب. ومن الدول المُمَثَّلة الآن في المجمع، هناك 22 دولة لم يكن فيها كاردينال من قبل.

وتيرة الكونسيستوارات هذه تختلف عمّا اعتمده القديس يوحنا بولس الثاني الذي عقد تسعة منها فقط طوال حبريةٍ دامت 27 عامًا. وكذلك مع ما فعله البابا بنديكتوس السادس عشر الذي عقد خمسة كونسيستوارات في 8 سنوات. ومع ذلك، كان القديس يوحنا بولس الثاني البابا الوحيد الذي حطّم الرقم القياسي في إعطاء لقب كاردينال لأشخاص جدد، إذ سمّى 231 كاردينالًا جديدًا في حبريته.

شكل الكونكلاف في حال انعقد اليوم

في حال انعقاد كونكلاف اليوم، يشارك في التصويت لبابا جديد 94 كاردينالًا سمّاهم البابا فرنسيس، و27 سمّاهم بنديكتوس السادس عشر، و8 سمّاهم يوحنا بولس الثاني.

ويكتمل نصاب انتخاب بابا جديد بوجود 86 عضوًا ناخبًا، أي ثلثي الكرادلة الناخبين في الكونكلاف. وتجدر الإشارة إلى أنّ عدد الكرادلة المعيّنين من البابا فرنسيس أكثر من ثلثي المجمع.

كيف سيتغيّر مجمع الكرادلة مع نهاية 2024؟

مع نهاية العام 2024، يبلغ 10 كرادلة السنّ القانونيّة لفقدان حق التصويت في الكونكلاف. وفي حال عدم عقد البابا فرنسيس كونسيستوارًا جديدًا قبل نهاية العام الحالي، ينخفض عدد الكرادلة الناخبين إلى ما دون الحد الأقصى البالغ 120 عضوًا.

ومن الكرادلة العشرة الذين سيبلغون من العمر 80 عامًا في الأشهر المقبلة، الكاردينال لويس فرانسيسكو لاداريا فيرير، رئيس دائرة عقيدة الإيمان الفخري. فلا يزال لاداريا يتمتّع بمركز مُؤَثِّر، لكنه أراد منذ فترة طويلة التخلّي عن الخدمة العامة، بعدما طلب من البابا إعفاءه من المشاركة في السينودس عن السينودسية. كما سيبلغ رئيس دائرة الأساقفة الفخري الكاردينال مارك أوليت 80 عامًا أيضًا.

وهناك أربعة كرادلة أيضًا سيبلغون 80 عامًا في خلال الأشهر العشرة المُقْبِلة يتعيّن على البابا فرنسيس العثور على من يخلفهم. لأنّ جميعهم ما برحوا في الخدمة الفعلية، وهم: رئيس أساقفة بوسطن ورئيس اللجنة البابوية لحماية القاصرين الكاردينال شون باتريك أومالي (29 يونيو/حزيران)؛ ورئيس المحكمة البابوية الرسولية الكاردينال ماورو بياتشينزا (15 سبتمبر/أيلول)؛ ورئيس أساقفة كاراكاس الفنزويلية الكاردينال بالتازار إنريكي بوراس كاردوزو (10 أكتوبر/تشرين الأول)؛ ورئيس أساقفة بومباي الهندية الكاردينال أوزوالد جراسياس (24 ديسمبر/كانون الأول).

وينتمي الكاردينالان أومالي وغراسياس أيضًا إلى عضوية مجلس الكرادلة الذي أنشأه الأب الأقدس لإصلاح الكوريا الرومانية، الإدارة المركزية للفاتيكان، وإدارتها.

وعلاوةً على ذلك، سيبلغ النائب الرسولي في فينتيان بمدينة لاوس الكاردينال لويس ماري لينغ مانغخانيخون 80 عامًا في 2024. ويليه رئيس الأساقفة الفخري لدار السلام في تنزانيا الكاردينال بوليكارب بينغو، ورئيس أساقفة بوردو الفرنسية الفخري الكاردينال جان بيير ريكارد، ورئيس أساقفة نيروبي الكينية الفخري الكاردينال جون نجوي.

وفي ضوء ما سبق، يبلغ إذًا عدد الكرادلة الناخبين الذين سمّاهم البابا فرنسيس 91 عضوًا مع نهاية العام 2024. وينخفض عدد الكرادلة الذين عيّنهم البابوات السابقون بشكلٍ ملحوظ أيضًا. وفي الواقع، إن حصل كونكلاف في ذلك الحين، فلن يشارك فيه سوى 22 كاردينالًا سمّاهم بنديكتوس السادس عشر و6 كرادلة سمّاهم يوحنا بولس الثاني.

كونكلاف شبيه بفرنسيس؟

تشير الأرقام إلى أنّ خليفة الأب الأقدس الحالي قد يأتي بِتَوَجُّه بابوي مماثل لفرنسيس. ولكن في الواقع، قد تختلف نتيجة الكونكلاف المقبل تمام الاختلاف عن التوقعات.

المزيد

ففي حين يدعو البابوات عادةً إلى لقاءات لجميع الكرادلة بهدف مناقشة القضايا الرئيسة لحياة الكنيسة بين الكرادلة واستشارتهم، عقد البابا فرنسيس ثلاثة لقاءات منها فقط، طوال حبريته، نوقِشت فيها قضايا مختلفة.

فحصل اللقاء الأول عام 2014 وتلاه آخر لتعيين كرادلة جدد في سبيل مناقشة قضايا الأسرة من خلال تقرير صادر عن الكاردينال والتر كاسبر. وفي العام 2015، نوقِشَ موضوع إصلاح الكوريا الرومانية عبر تقارير مختلفة. وفي العام 2022، طلب البابا من الكرادلة أن يأخذوا في الحسبان إصلاح الكوريا المُقتَرَح بالتزامن مع الدستور الرسولي «أعلِنوا الإنجيل».

اختلفت هيكلية مداولات اللقاء الأخير عن النمط المعتاد. فاجتمع الكرادلة في مجموعات لغوية صغيرة. ولم يتمكّن جميعهم من مخاطبة الجمعية العامة. وترك كثيرون منهم وثائق مكتوبة فيها لمحة عن شكل خطاباتهم التي كانوا سيتلونها أمام الكرادلة الآخرين. وفي حين روِّجَت هذه الصيغة كمحاولة لتحسين كفاءة المداولات، إلّا أنّها ألغت لحظات تقليدية مهمة من ناحية التفاعل والتفاهم المُتَبَادَلَيْن.

هذه ليست مجرّد تفاصيل بسيطة. إذ تعطي المناقشات، في خلال اللقاءات، الكرادلة فرصةً للتعرّف إلى بعضهم بعضًا.

فعلى سبيل المثال، انطلق ترشيح الكاردينال كارول فويتيلا (يوحنا بولس الثاني) للبابوية في خلال بعض المداولات السابقة. وقد دعاه بولس السادس آنذاك إلى تقديم الرياضة الروحية للصوم الكبير للكوريا الرومانية عام 1976.

فعلى الرغم من أنّ فويتيلا كان شخصية موثوقة ومعروفة، كان حصوله على دعم زملائه الكرادلة أمرًا صعبًا في حال لم تُتَح له فرصة التعريف عن نفسه في الظروف التي حصلت يومها.

لذلك، قد يبدأ الكونكلاف المقبل حاملًا بعض الشوائب، فالكرادلة لن يكونوا على معرفة كافية ببعضهم بعضًا. وفي حين قد تُعدّ هذه نعمة إذ تُشَكَّل مجموعات ضغط تستطيع توجيه الكونكلاف في اتجاه أو آخر، لكنّها قد تؤدي، من ناحية أخرى، إلى نتيجة يصعب تقديرها. ولهذا السبب، على الرغم من تعيين البابا فرنسيس أكثر من ثلثي الكرادلة الناخبين اليوم، قد لا يختار الكونكلاف المستقبلي بابا شبيهًا بفرنسيس.

(تستمر القصة أدناه)

الدستور الراعي للكونكلاف

إنّ الدستور الرسولي «راعي قطيع الربّ بأسره» الذي أصدره يوحنا بولس الثاني عام 1996، سينظّم الكونكلاف المقبل. يقول أحد نصوص هذا الدستور إنّه بدءًا من جولة الاقتراع رقم 34 (أو رقم 35، في حال حصول اقتراع يوم افتتاح الكونكلاف أيضًا)، تُعدّ الأغلبية المطلقة كافيةً لانتخاب بابا.

وقد عَدَّل بنديكتوس السادس عشر هذا البند في العام 2007 عبر إرادة رسولية «بعض التغييرات في أحكام انتخاب الحبر الروماني». فتنصّ القاعدة الجديدة على أنّه: عند وصول عدد جولات الاقتراع إلى 34 أو 35، وفي حال بلوغ «طريق مسدود»، تُجرى جولة بين الكردينالَيْن اللذَيْن حصلا على أكبر عدد من الأصوات، من دون أن يتمكّن هذان الكاردينالان من المشاركة في عمليّة الاقتراع. لكن لا يُنتَخَب بابا منهما إلا إذا حصل أحدهما على ثلثي الأصوات، بحسب ما هو مطلوب في جميع جولات الاقتراع الأخرى.

وتهدف هذه القواعد إلى الحصول على توافق واسع على البابا المُنْتَخَب. فيستطيع بالتالي أن يعتمد على دعم مجمع الكرادلة بأسره.

أيُصْلِح البابا فرنسيس قانون الكونكلاف؟

منذ فترة، تنتشر أصوات عن مشروع للبابا فرنسيس لإصلاح قواعد الكونكلاف. ومن الإصلاحات المطروحة: خفض النصاب القانوني لانتخاب البابا بدءًا من جولة الاقتراع الـ15؛ واستبعاد الكرادلة الذين تزيد أعمارهم عن 80 عامًا من الاجتماعات العامة السابقة للكونكلاف التي يشارك فيها كلٌّ من الكرادلة الناخبين وغير الناخبين؛ ووضع هيكلية جديدة لهذه الاجتماعات العامة، بشكل شبيه بالكونسيستوار الأخير، أي تقسيم الكرادلة إلى مجموعات عمل وإسناد صياغة التقارير إلى مُشرِف.

ومع ذلك، لم تُعْلَن رسميًّا أي دراسة لتغيير قواعد الكونكلاف. ويُزعَم أنّ الكاردينال جانفرانكو جيرلاندا، الذي أصبح في السنوات الأخير خبيرًا موثوقًا من البابا فرنسيس في موضوع القانون الكنسي، اقترح بعض المشاريع الإصلاحيّة. لكنّ الأمر لا يزال غير مؤكّد.

وعليه، يجب الانتظار للتأكّد ممّا إذا كانت الشائعات حول إصلاح قواعد الكونكلاف ناجمة عن مداولات حقيقية أم مجرّد تحريض وتكهّنات بوجه خطوات البابا فرنسيس غير المتوقّعة.

تُرجِمَ هذا المقال عن وكالة الأنباء الكاثوليكية، شريك إخباري لـ«آسي مينا» باللغة الإنجليزية، ونُشِر هنا بتصرّف.

رسالتنا الحقيقة. انضمّ إلينا!

تبرّعك الشهري يساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته