الكنيسة الرومانيّة الكاثوليكيّة الأوكرانيّة بين الماضي والحاضر

أوكرانيا أوكرانيا | Provided by: Zephyrka via Pixabay

تشتهر أوكرانيا بأنّها دولة ذات غالبيّة مسيحيّة أرثوذكسيّة، بعد دخول المسيحيّة إليها في القرن العاشر على يد فلاديمير الأوّل. في المقابل، هناك الكنيسة الكاثوليكيّة الحاضرة في البلاد منذ مئات السنين، وإنْ كانت تتبع دولًا أخرى. والكنيسة الكاثوليكيّة التي حملت اسم جمهوريّتها وأصبحت تُلحَق بكلمة «أوكرانيّة» تتبع مباشرةً الكرسي الرسولي في روما، وهي لم ترَ النور إلا في ستينيّات القرن المنصرم.

ما تاريخ هذه الكنيسة؟ وما حاضرها، خاصّةً في ظلّ الحرب الحاليّة؟

بعد الحرب العالميّة الثانية، اعتقلت السلطات السوفياتيّة كلّ من كانت تراه يُهدّد عقيدتها الإلحاديّة، سواء من رجال الدين الأرثوذكس أم الكاثوليك، فمنهم من تمّت تصفيته، ومنهم من نُفِيَ أو سُجِنَ، كما حصل في العام 1945 مع عشرة أساقفة كاثوليك، من بينهم يوسف سليبي الذي أفرِجَ عنه بعد 18 سنة بفضل تدخّل البابا يوحنا الثالث والعشرين ليقود بعدها الكنيسة الكاثوليكيّة في أوكرانيا بصفته رئيسًا لأساقفتها، وهي رتبة قريبة سلطتها القانونيّة نسبيًّا من سلطة البطريرك، مَنَحه إيّاها البابا بولس السادس بدلًا من رتبة البطريركيّة التي تحفّظ على إعطائها له ليُصبح بعدها سليبي كاردينالًا في العام 1965.

مُذّاك، نمت الكنيسة بقوّة على الرغم من الصعوبات الجمّة التي لاقتها والسرّية الكبيرة لنشاطاتها. ولم تنعم الكنيسة الرومانيّة الكاثوليكيّة الأوكرانيّة بالراحة والحرّية وتستعيد التقاط أنفاسها إلّا في أواخر العام 1989 مع الأمين العام للحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي في ذلك الوقت وحاكم البلاد الفعلي ميخائيل غورباتشوف -المُتَوَفّى أواخر أغسطس/آب الماضي- الذي التقى البابا يوحنا بولس الثاني في الفاتيكان، معلنًا صراحة أنّ المؤمنين لهم الحقّ في تلبية احتياجاتهم الروحيّة. وقد تزامن هذا الإعلان مع إعلان آخر للسلطات في الاتحاد السوفياتي بأنّ الحكومة ستعترف رسميًّا بالكنيسة الكاثوليكيّة، مانحةً إيّاها الحرّية، ومعيدةً إليها كنائسها التي سُلِبَتْ منها.

كان الأوكرانيّون الكاثوليك الشريحة الأكثر أهمّية بالنسبة إلى البابا يوحنا بولس الثاني في خلال اجتماعه الخاصّ الذي استمرّ 70 دقيقة مع غورباتشوف. كشف نصّ صادر من ذلك الاجتماع في العام 2009 عن أرشيف الأمن القومي أنّ البابا مارس أيضًا ضغوطًا على غورباتشوف لصالح الكاثوليك اللاتين في ليتوانيا ولاتفيا، إضافة إلى البروتستانت واليهود والمسلمين في كل أنحاء الاتحاد السوفياتي.

في العام التالي، كرّر غورباتشوف زيارته الفاتيكان، هذه المرّة بصفته رئيسًا لاتحاد الجمهوريّات الاشتراكيّة السوفياتيّة. بحلول ذلك الوقت، كانت حكومته قد أقرّت قانون حرّية الدين الذي يُلغي القيود المفروضة على الكنائس. وأعاد الاتحاد السوفياتي والفاتيكان العلاقات الدبلوماسيّة الرسميّة بينهما للمرّة الأولى منذ العام 1923.

اليوم، تُعدّ الكنيسة الرومانيّة الكاثوليكيّة الأوكرانيّة أكبر كنيسة كاثوليكيّة شرقيّة في العالم، لها كنائس في أكثر من 12 دولة، وينتمي إليها أكثر من أربعة ملايين مؤمن يتركّزون في غرب أوكرانيا، في ثلاث مقاطعات يشكّلون الغالبيّة فيها. كما أنّ نصف عدد سكّان مدينة لفيف تقريبًا هم من الكاثوليك.

مؤخّرًا، قاد رئيس الأساقفة الأوكراني إيهور إيشينكو أبرشيّته الأرثوذكسيّة إلى الشراكة الكاملة مع الكنيسة الكاثوليكيّة، فأصبحت الرعايا التي كان راعيًا لها (أو مسؤولًا عنها) جزءًا من إكسرخسيّة (وهي وحدة إداريّة للكنيسة تقع خارج أراضيها الرئيسيّة) خاركيف، وأبرشيّة كييف للكنيسة الرومانيّة الكاثوليكيّة الأوكرانيّة.

لم يكُنْ هذا التحوّل سهلًا واستغرق سبع سنوات من السعي الجادّ. وكان السبب الذي دفع إيشينكو إلى العمل على الشراكة مع الكرسي الرسولي في روما، هو وجود ثلاث كنائس أرثوذكسيّة منفصلة غير متجانسة في أوكرانيا، وهي الكنيسة الأرثوذكسيّة الأوكرانيّة (بطريركيّة موسكو) التي انشقّت عنها منذ التسعينيّات كلٌّ من الكنيسة الأرثوذكسيّة الأوكرانيّة المستقلّة، والكنيسة الأرثوذكسيّة الأوكرانيّة لبطريركيّة كييف. وقد رأى إيشينكو أنّ الانقسامات بين الكنائس الأرثوذكسيّة الأوكرانيّة أصبحت عميقة جدًّا، وأنّ الوحدة بينها تكاد تكون مستحيلة. وقد ترافق ذلك مع دراسة تجربة الكنيسة الكاثوليكيّة وفَهمِها، والتعرّف إلى عقيدتها وتاريخها، سواء في أوكرانيا أم في العالم ككلّ.

مهمّتنا هي الحقيقة. انضمّ إلينا!

تبرّعك الشهري سيساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة، بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته