طهران, الأحد 18 يناير، 2026
اندلعت أواخر ديسمبر/كانون الأوّل 2025، بُعيد عيد الميلاد، احتجاجاتٌ في إيران خطفت أنظار كثيرين في الغرب. وقد سبق أن شهدت الجمهوريّة الإسلاميّة احتجاجات واسعة (2009–2010، 2011، 2019–2020، 2022–2023)، غالبًا ما قابلتها قوّات الأمن بقمعٍ عنيف.
هذه المرّة، يبدو أنّ الاحتجاجات أوسع نطاقًا من سابقاتها، وأنّ عدد الضحايا أكبر من أيّ وقت مضى. تشير تقديراتٌ إلى سقوط ما بين 2000 و12 ألف قتيل، معظمهم على أيدي الحرس الثوريّ الإيرانيّ، وميليشيا الباسيج، وقوّات الشرطة. ويُرجَّح أن تكون هذه أسوأ مجزرة بحقّ المدنيّين في تاريخ إيران الحديث، إذ لم يقتل الشاه قطّ هذا العدد من الناس. في المقابل، أظهرت إحصاءاتٌ نشرها النظام أنّ ما بين 200 و300 عنصر أمن قُتِلوا على أيدي محتجّين، إضافةً إلى اندلاع أعمال تخريب وحرق واسعة النطاق، من بينها، بحسب وحدة الإطفاء في طهران، إحراق ما لا يقلّ عن 34 مسجدًا في العاصمة الإيرانيّة. وركّزت وسائل التواصل الاجتماعيّ الموالية للنظام على حوادث إحراق مساجد، عارضةً مقطعًا يُظهر شخصًا، بدا أنّه معارضٌ، يُلقي قنبلة مولوتوف داخل مسجد مُغلَق في أصفهان.
لماذا يُقدِم الإيرانيّون، وهم بغالبيّتهم مسلمون، على إحراق مساجد؟ رغم وجود تطرّف في كلّ مكان، إلّا أنّ استهداف دور العبادة كان يُعدّ غالبًا من المحرّمات. ثمّة دائمًا احتمالٌ قائم، يتمثّل في حرق المساجد على يد «عملاء محرِّضين» تابعين للنظام الإيرانيّ نفسه، وهو نظامٌ له سجلٌّ طويل في الكذب والتضليل. كما لا يمكن إنكار وجود أشخاصٍ مثل نَيْرون يستمتعون بتدمير كلّ شيء، وهو أسلوب تفكيرٍ خلّده فيلم باتمان فارس الظلام في العام 2008 بعبارة: «بعض الرجال يريدون مشاهدة العالم يحترق». وأشار محلّلون إلى استخدام عدد من المساجد مراكزَ تجنيدٍ وتدريب لميليشيا الباسيج. والباسيج قوّة شبه عسكريّة أسّسها الخميني سنة 1979 لتكون حامية للثورة الإسلاميّة.
وقد كان عناصر الباسيج وقودًا للمعارك في خلال الحرب الإيرانيّة العراقيّة. ومنذ ذلك الحين، جرى توظيفهم كأداة قمع تعتمد على متطوّعين. وهم ينتمون إلى «قلّةٍ قليلة» من السكّان الذين لا يزالون يؤمنون بالنظام: شبّان وفتيان «مسلّحون، وخاضعون لغسل دماغ أيديولوجيّ، وجاهزون للتعبئة». أمّا السبب الآخر لاستهداف المساجد، فيتّصل بجوهر النظام ذاته وسبب وجوده: فالدولة تُعرّف نفسها صراحةً بأنّها «الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة». وكلّ ما يفعله النظام، وكلّ تبرير، أو تفسيرٍ يقدّمه، يأتي بحجّة الدين. غير أنّ اقتران الدين بسلطةٍ سياسيّة مطلقة قد يؤول أحيانًا إلى تشويه الدين نفسه.