القاهرة, الثلاثاء 20 يناير، 2026
عاد اسم جماعة الإخوان المسلمين إلى واجهة المشهد السياسي والفكري هذا الشهر، بعد قرار أميركي قضى بتصنيفها منظمة إرهابية في لبنان ومصر والأردن. هذا التطور أعاد أيضًا إلى الواجهة نقاشًا حول جذور الفكر الأصولي وخطورته، وهو نقاش تزامن مع رحيل الفيلسوف والمفكر المصري البارز مراد وهبة (1926-2026)، أحد أبرز من خاضوا مواجهة فكرية طويلة مع جماعة الإخوان وبقية التيارات الدينية المتشددة.
لم ينظر وهبة إلى الأصولية في العالم العربي بوصفها خطرًا يهدد فئة دينية بعينها، رغم ما تعرض له المسيحيون من قتل وتهجير وترهيب وتمييز اجتماعي، بل اعتبرها تهديدًا وجوديًّا لكيان الدول والثقافات الإنسانية برمّتها. فالفكر الأصولي، بحسب رؤيته، عابر للحدود والقارات، ولا يرتبط بجغرافيا محددة، ما يجعله قادرًا على تفكيك المجتمعات من الداخل أينما وُجد.
ويشرح وهبة آلية الوصول إلى هذا الخطر من خلال ثلاث مراحل يمر بها الإيمان الديني. تبدأ المرحلة الأولى بإيمان عاطفي قلبي، ثم ينتقل المؤمن في المرحلة الثانية إلى التفكير في نصه الديني، فتتكوّن العقيدة بوصفها معتقدًا. أما المرحلة الثالثة، وهي غير حتمية، فتبدأ عندما تسعى جماعة من المؤمنين إلى فرض هذه العقيدة على المجتمع. هنا ينشأ الصدام، لأن المجتمع بطبيعته متنوع المعتقدات، ولكل طرف قناعته بامتلاك الحقيقة المطلقة. هذا الصدام يقود إلى الإرهاب الذي يبدأ بالتكفير وينتهي بالقتل. يعود وهبة بجذور الأصولية الإسلامية إلى القرن الحادي عشر، مع الفقيه أبي حامد الغزالي الذي نسف الفلسفة وكفّر فلاسفتها المسلمين أمثال الفارابي وابن سينا لتأثرهم بالفلسفة اليونانية. وفي القرن الثاني عشر، ظهر ابن رشد الذي تصدى لأفكار الغزالي ودافع عن مبدأ التأويل، موضحًا أن للنص الديني معنى ظاهرًا وآخر باطنًا لا يُدرك إلا بإعمال العقل، داعيًا إلى الانتقال من الدلالة الحسية إلى الدلالة المجازية.
وبحسب وهبة، فإن إعمال العقل في النص الديني يقوض فكرة «الإجماع»، ويفتح باب الاختلاف المشروع في التفسير، ما ينفي شرعية التكفير. ومن هنا جاءت مقولة ابن رشد: «لا تكفير مع التأويل»، وهي من الأفكار التي كلّفته مع غيرها حرق مؤلفاته ونفيه، بالإضافة إلى اتهامه بالكفر، خصوصًا من جانب ابن تيمية الذي عارض إعمال العقل وتبنت أفكاره لاحقًا الحركات الدينية الأصولية انطلاقًا من الوهابية مرورًا بالإخوان المسلمين ووصولًا إلى داعش.
ويرى وهبة أن عدم إعمال العقل في النص الديني ينتج «فكرًا أصوليًّا» معاديًا للتطور ويقف على النقيض من «الفكر العلماني»، داعيًا المجتمعات العربية إلى الانفتاح على العلمانية من دون حساسيات، باعتبارها مدخلًا للاندماج في الحضارة الإنسانية بعد قرون طويلة من العزلة. كما طالب بإحياء فكر ابن رشد الذي أسهم في النهضة الأوروبية والتنوير والإصلاح الكنسي، محذرًا من أن الفشل في تجاوز الأصولية يستدعي حصرها في نطاق المعتقد الفردي وعدم فرضها على المجتمع. وتتقاطع هذه الرؤية مع دعوات البابا فرنسيس الذي يرى أن «الدولة الطائفية تنتهي عادة بصورة سيئة وهي تخالف مسار التاريخ. ولكي تمضي الدول قدمًا عليها أن تكون علمانية مع وجود إطار قانون يضمن الحرية الدينية».
توفّي وهبة الذي وصِف بأنه أحد أعمدة الفلسفة والتنوير في مصر والعالم العربي، ونعته جهات عدّة بينها وزارة الثقافة المصرية ومكتبة الإسكندرية والمركز الثقافي اليسوعي في الإسكندرية. ورغم مكانته الفكرية الرفيعة، يرى كثير من المثقفين المصريين أن وهبة لم ينل التقدير الذي يستحقه، بل حورب أحيانًا، ليس بسبب أفكاره فحسب، بل أيضًا لكونه مسيحيًّا قبطيًّا، في مفارقة تلخّص جانبًا من الأزمة التي كرّس حياته لتفكيكها.
اشترك في نشرتنا الإخبارية
في وكالة آسي مينا الإخبارية (ACI MENA)، يلتزم فريقنا بإخبار الحقيقة بشجاعة ونزاهة وإخلاص لإيماننا المسيحي حيث نقدم أخبار الكنيسة والعالم من وجهة نظر تعاليم الكنيسة الكاثوليكية. عند الإشتراك في النشرة الإخبارية لآسي مينا (الوكالة الكاثوليكية الإخبارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا)، سيتم إرسال رسالة يومية عبر البريد الإلكتروني تحتوي على روابط الأخبار التي تحتاجونها.
اشترك الآنرسالتنا الحقيقة. انضمّ إلينا!
تبرّعك الشهري يساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته