الخميس 22 يناير، 2026 تبرّع
EWTN News

لماذا تُحرَق المساجد في طهران؟

استهداف دور العبادة يُعدّ غالبًا من المحرّمات/ مصدر الصورة: متداول على الشبكة

اندلعت أواخر ديسمبر/كانون الأوّل 2025، بُعيد عيد الميلاد، احتجاجاتٌ في إيران خطفت أنظار كثيرين في الغرب. وقد سبق أن شهدت الجمهوريّة الإسلاميّة احتجاجات واسعة (2009–2010، 2011، 2019–2020، 2022–2023)، غالبًا ما قابلتها قوّات الأمن بقمعٍ عنيف.

هذه المرّة، يبدو أنّ الاحتجاجات أوسع نطاقًا من سابقاتها، وأنّ عدد الضحايا أكبر من أيّ وقت مضى. تشير تقديراتٌ إلى سقوط ما بين 2000 و12 ألف قتيل، معظمهم على أيدي الحرس الثوريّ الإيرانيّ، وميليشيا الباسيج، وقوّات الشرطة. ويُرجَّح أن تكون هذه أسوأ مجزرة بحقّ المدنيّين في تاريخ إيران الحديث، إذ لم يقتل الشاه قطّ هذا العدد من الناس. في المقابل، أظهرت إحصاءاتٌ نشرها النظام أنّ ما بين 200 و300 عنصر أمن قُتِلوا على أيدي محتجّين، إضافةً إلى اندلاع أعمال تخريب وحرق واسعة النطاق، من بينها، بحسب وحدة الإطفاء في طهران، إحراق ما لا يقلّ عن 34 مسجدًا في العاصمة الإيرانيّة. وركّزت وسائل التواصل الاجتماعيّ الموالية للنظام على حوادث إحراق مساجد، عارضةً مقطعًا يُظهر شخصًا، بدا أنّه معارضٌ، يُلقي قنبلة مولوتوف داخل مسجد مُغلَق في أصفهان.

لماذا يُقدِم الإيرانيّون، وهم بغالبيّتهم مسلمون، على إحراق مساجد؟ رغم وجود تطرّف في كلّ مكان، إلّا أنّ استهداف دور العبادة كان يُعدّ غالبًا من المحرّمات. ثمّة دائمًا احتمالٌ قائم، يتمثّل في حرق المساجد على يد «عملاء محرِّضين» تابعين للنظام الإيرانيّ نفسه، وهو نظامٌ له سجلٌّ طويل في الكذب والتضليل. كما لا يمكن إنكار وجود أشخاصٍ مثل نَيْرون يستمتعون بتدمير كلّ شيء، وهو أسلوب تفكيرٍ خلّده فيلم باتمان فارس الظلام في العام 2008 بعبارة: «بعض الرجال يريدون مشاهدة العالم يحترق». وأشار محلّلون إلى استخدام عدد من المساجد مراكزَ تجنيدٍ وتدريب لميليشيا الباسيج. والباسيج قوّة شبه عسكريّة أسّسها الخميني سنة 1979 لتكون حامية للثورة الإسلاميّة.

وقد كان عناصر الباسيج وقودًا للمعارك في خلال الحرب الإيرانيّة العراقيّة. ومنذ ذلك الحين، جرى توظيفهم كأداة قمع تعتمد على متطوّعين. وهم ينتمون إلى «قلّةٍ قليلة» من السكّان الذين لا يزالون يؤمنون بالنظام: شبّان وفتيان «مسلّحون، وخاضعون لغسل دماغ أيديولوجيّ، وجاهزون للتعبئة». أمّا السبب الآخر لاستهداف المساجد، فيتّصل بجوهر النظام ذاته وسبب وجوده: فالدولة تُعرّف نفسها صراحةً بأنّها «الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة». وكلّ ما يفعله النظام، وكلّ تبرير، أو تفسيرٍ يقدّمه، يأتي بحجّة الدين. غير أنّ اقتران الدين بسلطةٍ سياسيّة مطلقة قد يؤول أحيانًا إلى تشويه الدين نفسه.

زرتُ إسبانيا للمرّة الأولى بُعيد وفاة الديكتاتور فرانشيسكو فرانكو الذي فرض الأخلاق الكاثوليكيّة بصرامةٍ شديدة. وقد عُرفت المرحلة التي تلت رحيله بـ«الانكشاف». واتّسمت بردود فعلٍ حادّة ضدّ الأخلاق والدين، حيث بدا أنّ كلّ الأمور مُباحة. وقد أخبرني باحث إيرانيّ أميركيّ قبل سنوات أنّ «إيران كانت أوّل جمهوريّة إسلاميّة، وستكون أوّل دولة تفتتح فصل ما بعد الجمهوريّة الإسلاميّة». وهذا يعني أنّ تصلّب النظام، إضافة إلى الفساد والأخطاء الناتجة من عقودٍ من الحكم شبه المطلق، ونفاق الحكّام ورجال الدين، لن يُسقط النظام فحسب، بل سيقوّض أيضًا الدين الذي استُخِدمَ سلاحًا لتبرير السلطة. على مرّ السنوات، جالستُ إيرانيّين كانوا يسردون قصصًا فاضحة ومضحكة عن الملالي، تتّصل بواقعٍ مرير يَظهر في مقاطع فيديو وروايات عن أبناء النخبة الدينيّة المُنافقين: فساتين زفاف فاضحة، وكحول، وسهر، واستهلاك استعراضيّ. أمّا موجة الاحتجاجات الحاليّة، فقد فجّرها الاضطراب الاقتصاديّ والتضخّم المرتبطان بأزمة مصرفيّة انهارت في خلالها مصارف فاسدة كانت تدعم النخب الحاكمة.

ويبقى عنصرٌ أخير يُثير تساؤلات بشأن إحراق المساجد: نحن ببساطة نجهل نسبة الإيرانيّين المتديّنين فعلًا، أو حتّى الذين يمارسون شعائرهم أو يعترفون بهويّتهم الدينيّة. ينبغي إذًا إعادة النظر بالادّعاء الشائع بأنّ إيران «مسلمة بنسبة 98 بالمئة». فقد خلُصت دراسة أجراها في هولاندا الباحثان عمار المالكي وبويان تميمي عرب في أغسطس/آب 2020، إلى أنّ ثلث الإيرانيّين فقط ما زالوا يعرّفون أنفسهم على أنّهم مسلمون شيعة (32.2 بالمئة). وجاء في المرتبة الثانية مَن لا ينتمون إلى أيّ دين (بنسبة 22.2 بالمئة)، ومن ثمّ الملحدون (بنسبة 8.8 بالمئة)، يليهم الزرادشتيّون، أتباع الديانة الإيرانيّة القديمة السابقة للإسلام (بنسبة 7.7 بالمئة). وعلى الرغم من أنّ الدراسة لم تركّز على هذا الجانب، إلّا أنّ عدد المسيحيّين يبدو واضحًا في إيران، بنسبةٍ أكبر ممّا تشير إليه الأرقام الرسميّة، وبعضهم يُمارس شعائره في «كنائس منزليّة» سرّية.

وربّما يكون المخرّبون الغاضبون الذين يستهدفون مساجد النظام منتمين إلى ما قد أصبح يشكّل اليوم الغالبيّة الساحقة من الإيرانيّين: أولئك الذين أثارت سخطهم قرابة خمسين سنةً من الحكم الفاسد والقمعيّ، إلى درجة أنّهم باتوا مستعدّين لفعل أيّ شيء للدفع باتّجاه سقوط هذا النظام. وقد يكون ذلك السقوط مدويًّا في نهاية المطاف.

تُرجِمَ هذا المقال عن السجلّ الوطنيّ الكاثوليكيّ، شريك إخباريّ لـ«آسي مينا» باللغة الإنجليزيّة، ونُشِر هنا بتصرّف.

اشترك في نشرتنا الإخبارية

في وكالة آسي مينا الإخبارية (ACI MENA)، يلتزم فريقنا بإخبار الحقيقة بشجاعة ونزاهة وإخلاص لإيماننا المسيحي حيث نقدم أخبار الكنيسة والعالم من وجهة نظر تعاليم الكنيسة الكاثوليكية. عند الإشتراك في النشرة الإخبارية لآسي مينا (الوكالة الكاثوليكية الإخبارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا)، سيتم إرسال رسالة يومية عبر البريد الإلكتروني تحتوي على روابط الأخبار التي تحتاجونها.

اشترك الآن

رسالتنا الحقيقة. انضمّ إلينا!

تبرّعك الشهري يساعدنا على الاستمرار بنقل الحقيقة بعدل وإنصاف ونزاهة ووفاء ليسوع المسيح وكنيسته